إيطاليا تستعيد لوحة "هوذا الرجل" بـ15 مليون دولار وصقلية ترفع شعار "أعيدوها إلينا"
بمبلغ يقترب من 15 مليون دولار، نجحت الدولة الإيطالية في استعادة واحدة من أندر تحف عصر النهضة، لوحة "هوذا الرجل" (Ecce Homo) للفنان أنطونيلو دا ميسينا، من قلب مزادات نيويورك. وبينما تحتفي روما بهذا النصر الثقافي، تشتعل في صقلية معركة من نوع آخر؛ معركة الهوية والحق التاريخي، حيث يطالب الصقليون بعودة "ابنهم البار" إلى دياره، في صراع يضع القيمة المادية للفن في مواجهة انتمائه الروحي.
على مرّ القرون، ظلّت نظرات لوحة "هوذا الرجل" تأسر كلّ من يقف أمامها؛ فهي تصوير مؤثر وعميق لمعاناة السيد المسيح، تجسّد عبقرية دا ميسينا. وبعد فترة من المزايدات القوية والاحتجاجات الشعبية الأشدّ قوة، استحوذت الدولة الإيطالية رسمياً على هذه التحفة الفنية مقابل 14,9 مليون دولار. ويمثل هذا الشراء، الذي تم في دار "سوذبيز" في نيويورك، نهاية لإقامة اللوحة الطويلة ضمن المجموعات الخاصة، وبداية لجدل حادّ حول مقر استقرارها النهائي.
استعادة تحفة فنية
كان أنطونيلو دا ميسينا ثورياً في عصره؛ إذ كان من أوائل الرسامين الإيطاليين الذين أتقنوا تقنيات الزيت الفلمنكية، وبثّ في مواضيعه واقعية نفسية مذهلة. ولوحة "هوذا الرجل" أكثر من مجرّد أيقونة دينية؛ إنّها حجر زاوية في عصر النهضة الإيطالي.
كان قرار وزارة الثقافة الإيطالية بدفع ما يقرب من 15 مليون دولار مقابل هذه اللوحة الخشبية الصغيرة خطوة مدروسة للحفاظ على التراث الوطني. وصرّح أحد مسؤولي الوزارة قائلاً: "كان استحواذاً ضرورياً، فترك عمل بهذا الثقل في أيدي القطاع الخاص كان سيُعدّ خسارة للروح العامة".
ندرة فنية وتاريخ غامض
تكتسب هذه الاستعادة أهمية استثنائية بالنظر إلى الشحّ الشديد في أعمال أنطونيلو دا ميسينا؛ إذ لم ينجُ من إنتاجه الفني سوى نحو 40 لوحة فقط عبر التاريخ، تحتفظ إيطاليا بنصفها تقريباً في مجموعاتها الوطنية.

ويعتقد خبراء الفن أنّ ميسينا رسم أربع نسخ فقط من "هوذا الرجل". تستقرّ إحداها في متحف "المتروبوليتان" بنيويورك، بينما تحتضن إيطاليا النسختين الأخريين في "بالازو سبينولا" في جنوة و"كوليجيو ألبيروني" في بياتشينزا. أما هذه النسخة الرابعة، فيعود أول ذكر موثق لها إلى أوائل القرن العشرين حين كانت ضمن مجموعة إسبانية خاصة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى إحدى صالات العرض في نيويورك، لتشق طريقها أخيراً صوب الوطن.
تفاصيل فنية فريدة
ما يميّز هذا العمل هو كونه لوحة مرسومة على الوجهين؛ فبينما يجسد الوجه الأول المشهد المؤثر للسيد المسيح متوجاً بإكليل من الشوك، يظهر على الوجه الآخر القديس جيروم في حالة تعبّد وتوبة وسط مشهد طبيعي صخري وعر، مما يعكس براعة ميسينا الفائقة في الجمع بين التشريح الإنساني وجماليات الطبيعة.
وفي وصفها للعمل، كتبت دار "سوذبيز" للمزادات أنّ اللوحة "تمنح الرائي مواجهة شخصية عميقة مع واحدة من أكثر صور المسيح تأثيراً من الناحية النفسية في فن عصر النهضة؛ فهي تجسده بواقعية بشرية مذهلة، يملؤها الضعف والحضور الطاغي".
"إنها مُلك لنا"
رغم الحماسة الشعبية في صقلية، التزمت وزارة الثقافة الإيطالية الصمت حيال وجهة اللوحة النهائية، ولم تفصح بعد عن المتحف الذي سيحظى بشرف عرض هذا الاستحواذ الثمين. هذا الصمت يغذي الترقب في ميسينا، حيث يأمل السكان أن تنتصر "العدالة الثقافية" وتعود اللوحة إلى مسقط رأس مبدعها.

بينما تمسك روما بزمام الأمور المالية، تضع صقلية يدها على قلب الحدث. ففي شوارع ميسينا وأنحاء الجزيرة، يسود شعور واحد: "أعيدوها إلينا". يجادل الصقليون بأنّ العمل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بهوية الجزيرة؛ فأنطونيلو هو ابنهم البار، والفنان الذي وضع الإحساس الصقلي على الخريطة العالمية. وقد أطلق نشطاء وسياسيون محليون حملة بعنوان "أعيدوها إلى الوطن"، مصرّين على أن اللوحة يجب أن تستقر في متحف ميسينا الإقليمي (MuMe)، حيث يمكن لم شملها مع روائع الفنان الأخرى.
"إن انتزاع أنطونيلو من صقلية هو انتزاع لقطعة من تاريخنا"، تقول ماريا غاتو، المدافعة عن الثقافة الصقلية. "لقد رُسمت هنا، مستوحاة من ضيائنا وشعبنا. إنها تنتمي إلينا".
الطريق نحو المستقبل
تواجه الحكومة الإيطالية الآن عملية توازن دقيقة؛ فرغم أنّ اللوحة كنز وطني، إلا أنّ الضغوط لتنفيذ مطالب صقلية التاريخية في تزايد مستمرّ. وفي الوقت الحالي، تُعدّ لوحة "هوذا الرجل" رمزاً لانتصار قوانين التراث الإيطالية، ممّا يثبت أنّ الدولة مستعدّة للمنافسة على الساحة العالمية للاحتفاظ بتاريخها داخل حدودها.
وسواء استقرّت اللوحة في معرض روماني أو عادت إلى هواء مضيق ميسينا المالح، فإنّ ثمة حقيقة واحدة مؤكدة: تحفة أنطونيلو دا ميسينا خرجت إلى الضوء، لم تعد أثراً مخفياً، وأصبحت نصراً عاماً مشهوداً.
نبض