روبرت دوفال... عرّاب الصمت الأخير

ثقافة 17-02-2026 | 08:42

روبرت دوفال... عرّاب الصمت الأخير

رحل الممثل الأميركي روبرت دوفال عن 95 عاماً، بعدما أوصى بوداعٍ بسيط يليق بفلسفته في الحياة، تاركاً إرثاً سينمائياً امتد لأكثر من سبعة عقود، جسّد به مدرسةً في الأداء الهادئ، والتي صنعت من الصمت قوةً، ومن الظلّ مركزاً
روبرت دوفال... عرّاب الصمت الأخير
روبرت دوفال
Smaller Bigger

لم يُرِد روبرت دوفال وداعاً صاخباً. أوصى - ببساطة تشبهه - ألا تُقام له مراسم رسمية، بل أن يُكرَّم بقراءة كتاب، أو مشاهدة فيلم عظيم، أو رواية قصة على طاولة أصدقاء، أو قيادة سيارة في الريف لتأمّل جمال العالم. هكذا اختار مشهده الأخير: لا منصّة، بل لحظة. وكأن الرجل الذي عاش أكثر من سبعين عاماً داخل الكادر كان يعرف أن أجمل وداعٍ هو أن يترك الآخرين يُكملون الحكاية.

برحيله عن 95 عاماً، بدا الخبر أقرب إلى خروجٍ هادئ من دائرة الضوء. يشبه ذلك المشهد في الجزء الثاني من "العرّاب" (The Godfather Part II)، حين يُقال لتوم هيغن: "أنت لست مستشاراً في زمن الحرب". الجملة قصيرة، باردة، نهائية. لا يصرخ هيغن، لا يحتجّ، لا يذكّرهم بأنه كان عقل العائلة حين كانت الدماء أدفأ من الحسابات. يكتفي بالصمت. ينظر، يستوعب، ثم يقبل الإقصاء بكرامة رجلٍ يعرف أن القيمة لا تُقاس بالموقع. ذلك الصمت كان روبرت دوفال.

 

دوفال الممثل العراب
دوفال الممثل العراب

 

في ثلاثية "العرّاب"، لم يكن وجه السلطة، بل عقلها. لم يلوّح بمسدس، وإنما صاغ القرار بصمت. صنع من الاقتصاد مدرسة: حركة قليلة، نظرة دقيقة، جملة تأتي في توقيتها ثم تنسحب. هناك تعلّم - وعلّمنا معه - أن القوة تُقال همساً. لُقّب بـ"الثور"، لا لأنّه يهاجم، بل لأنّه يعرف متى يتقدّم… ومتى يزرع قدميه في الأرض فلا تُزحزحه الريح. وكان "العرّاب" بمعنى آخر: عرّاب الأداء الداخلي، لا عرّاب المافيا.

 

 

لكن موهبته لم تُحصر في الهدوء وحده. في "القيامة الآن" (Apocalypse Now)، صار اللفتنانت كولونيل كيلغور، الرجل الذي يمشي وسط القصف كأنه في نزهة صباحية، ويعلن أنه "يحب رائحة النابالم في الصباح". مشهدٌ صار من أيقونات السينما، غير أن سرّه لم يكن في الجملة وحدها، بل في ذلك التوازن العجيب بين الجنون والانضباط. لم يكن كيلغور مجرد صورة عنف، بل مرآةً لسلطةٍ تُزيّن الخراب كي تحتمله. وبين توم هيغن وكيلغور، تتجلّى قدرة دوفال النادرة: أن يمنح كل شخصية نوع القوة الذي يناسبها، لا نوع القوة الذي يناسب صورته هو.

 

 

لكن رسالته الإنسانية الأعمق ربما تجلّت في "Tender Mercies"، الدور الذي منحه جائزة الأوسكار. مغنّي كانتري مكسور يحاول أن يستعيد حياته من دون بطولات زائفة. أداءٌ متقشف. لا دموع فائضة، لا خطب إصلاحية. فقط رجلٌ يتعلّم أن يعيش يوماً إضافياً من دون أن ينهار. هنا، بدا كأنه يترك درسه الأخير: الرجولة لا تُقاس بقوة القبضة، بل بجرأة القلب حين يعترف.

 

كان من جيلٍ أعاد تعريف الأداء الأميركي في سبعينيات القرن الماضي، إلى جانب روبرت دي نيرو وداستن هوفمان وجين هاكمان، لكنه ظلّ مختلفاً حتى داخل ذلك الجيل. لم يكن الأكثر جماهيرية، ولا الأكثر افتتاناً بالأضواء. كان معياراً. 

 

على مدى مسيرته التي امتدّت أكثر من سبعة عقود، قدّم دوفال أكثر من تسعين عملاً بين السينما والتلفزيون. رُشّح لسبع جوائز أوسكار، وفاز بجائزة أفضل ممثل عام 1984 عن دوره في  "Tender Mercies"، كما نال جوائز "إيمي" و"غولدن غلوب" و"بافتا". وترك بصمته في أفلام باتت من كلاسيكيات القرن العشرين، من The Great Santini إلى The Apostle، الذي كتبه وأخرجه ومثّل بطولته، ومن Network إلى Lonesome Dove الذي اعتبره شخصياً من أحب أعماله إليه. 

 

ملامحه نفسها كانت جزءاً من حضوره: أصلع في معظم حياته الفنية، بوقارٍ ريفيّ، وعينين حادتين تخفيان حناناً مكتوماً. بدا كأنه يعيش في "أربعينياتٍ دائمة"، لا لأن الزمن توقف عنده، بل لأن طاقته قاومت الشيخوخة. وكان يعترف بفضله على معلمه مارلون براندو، الذي رآه " الأفضل على الإطلاق". لم يكن ذلك مديحاً عابراً، بل اعترافاً من ممثلٍ يعرف أن العظمة ليست كاريزما فحسب، بل قدرة على أن تحمل الفيلم على كتفيك.

 

 

خارج الشاشة، اختار مسافةً من صخب هوليوود. أحبّ الريف، والخيول، والتانغو الأرجنتيني الذي جعله جزءاً من حياته وأفلامه. كان يؤمن بالإيقاع: إيقاع الخطوة، إيقاع الجملة، إيقاع الصمت. لم تكن هواياته تفصيلاً، بل امتداداً لفلسفته: التوازن هو جوهر القوة.

 

وعلى مدى أكثر من سبعة عقود، كان شاهداً على تحولات قرنٍ كامل من السينما الأميركية، من زمن الاستوديوهات إلى واقعية السبعينيات القاسية، ومن البطولة الأسطورية إلى الأداء الداخلي المتقشف. وفي كل مرحلة ظلّ وفياً لثلاثة أمور اختصر بها حياته المهنية: صنع مجد السينما، حفظ شرف الحرفة، وبحث عن الحقيقة الإنسانية داخل كل شخصية.

 

 

رافقته في سنواته الأخيرة زوجته الأرجنتينية لوسيانا بيدرازا، لا بوصفها شريكة حياة فحسب، بل رفيقة إيقاعٍ يشبهه في هدوئه وثباته. لم يُرزق روبرت دوفال أطفالاً، لكنه بدا دائماً كأنه اختار عائلةً من نوعٍ آخر: شخصياته، ورفاقه في المهنة، وجمهوره الممتد عبر أجيال.

لم يُولد نجماً، بل صنع مكانته بصبر الحرفيّ. ابنُ ضابطٍ تربّى على الانضباط قبل أن يعرف الأضواء، بدأ من الهامش بأدوارٍ تكاد تكون صامتة، كأن السينما تختبر قدرته على الاحتمال. تعلّم الوقوف داخل الكادر قبل أن يتقدّمه، ثم ما إن نطق الدور حتى صار حضوره درساً. 

 

 

 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 2/16/2026 1:17:00 PM
أسباب الحملة مجهولة حتى الساعة، أو على الأقل مني شخصياً، اللهمّ إلّا إذا كان التنافس الماروني المريض تحركت غرائزه باكراً وبدأ الحاكم يعدّ العدّة للانتقال بعد سنين إلى قصر بعبدا...
اقتصاد وأعمال 2/16/2026 3:33:00 PM
ترى المصادر أن المرحلة الراهنة تفرض موازنة دقيقة بين العدالة الاجتماعية والانضباط المالي.
اقتصاد وأعمال 2/17/2026 7:18:00 AM
إليكم الجدول الجديد لأسعار المحروقات اليوم بعد مقررات الحكومة أمس الإثنين. 
سياسة 2/16/2026 9:29:00 PM
أقرّ مجلس الوزراء تفرّغ أساتذة الجامعة اللبنانية، وستة رواتب إضافية، وزيادات ضريبية، وتعيينات جديدة.