برلين 76 - "أتفهّم استياءك": لا أحد يريد أن يكون هايكه!
يقدّم "أتفهّم استياءك" لكيليان أرمندو فردريش، المعروض داخل قسم "بانوراما" في مهرجان برلين السينمائي (12 -22 شباط/فبراير)، رؤية صريحة وواقعية لسوق العمل في ألمانيا، في بلدٍ يُعرف بقوّته الاقتصادية الضخمة. إلا أن الفيلم يؤكّد أن الواقع ليس وردياً، فهناك منظومة معقّدة، وضحايا كثر، على نحو يُترك للمُشاهد تفسيره، من دون قطع الشكّ باليقين. على مدار تسعين دقيقة، سنجد أنفسنا أمام دلائل تدعم رؤية المخرج، الذي يبدو واضحاً في تحديد وجهته ومنهجية استنتاجاته. الكاميرا المحمولة تتتبّع البطلة المضادة برفق، بلا اكتراث لجماليات الصورة، ممّا يمد الفيلم بروح الواقعية الناتورالية التي اشتهر بها أمثال الأخوين داردن. لكن الفارق الجوهري يكمن في أن الأخوين، أثناء تصويرهما، يكتشفان جزءاً ممّا ينجزانه، في حين أن المخرج فردريش واضح تماماً في شأن أهدافه المعلنة، وما عليه إلا أن يضع كلّ عناصر الفيلم في خدمة هذه الرؤية. الفيلم، بأسلوب مباشر وبسيط، لا يترك مجالاً للشكّ في أن تجربة الشخصية التي نتعقّبها ليست مجرد قصّة فردية، وإنما انعكاس لمنظومة أوسع من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية. الفيلم في هذا المعنى هو شهادة سينمائية صادقة على واقع سوق العمل في أقوى اقتصاد أوروبي.
هايكه (سابين تالو) سيدة ألمانية تقارب الستين، تشغل منصب مديرة خدمة الزبائن في شركة تنظيف، وتمثّل حلقة الوصل بين الزبائن وفرق عمّال النظافة. تبدو حياتها اليومية رتيبة ومكررة. مواجهة مع أحد المتعاقدين تخرج الأمور عن مسارها الطبيعي. في ضوء هذه الظروف، يظهر معدنها الحقيقي فنكتشف أخلاقياتها في التعامل مع الأزمة. تجد هايكه نفسها في مأزق لا تُحسَد عليه، ضائعة بين واجب حماية فريقها وضرورة الامتثال لمتطلّبات قطاع الأجور المنخفضة، ضمن صراع يعكس التوتّرات الاجتماعية والاقتصادية التي تختبر الإنسان.

هذا فيلم لا يهدأ إيقاعه، وهايكه لا تغادر الكادر للحظة. الفيلم منها، وعنها، ومن خلالها. لم يختَر المخرج شخصية كاريزماتية أو جذّابة يمكن المُشاهد الوقوع تحت سحرها منذ اللحظة الأولى، مفضّلاً نموذج المرأة العاملة في مجال الخدمات، التي لا تثير أي حسد أو إعجاب. لا أحد يريد أن يكون هايكه: عملها يفتقر للطموح، لا سلام داخلياً ولا حياة عاطفية يمكن أن تشكّل نقطة ضعف للمُشاهد. كلّ شيء فيها عادي، وأحياناً أقل من العادي، وهذه العادية تسخّرها العين النقدية للمخرج لتوجيه رسالة واضحة عن نظام عمل يأكل الناس لحماً ويرميهم عظاماً في خريف حياتهم، بلا أفق أو مستقبل.
مشكلة الفيلم تكمن في سقوطه المتكرر في التكرار والمصطلحات التقنية التي تشتّت الانتباه، إلى درجة أن التواصل ينقطع مع الفيلم، إذا لم نكن مطلّعين على قوانين العمل الألمانية. وحتى عندما ندرك ما يُقال، فإن القصّة نفسها وتفاصيلها تحمل رعونة كتابية، تنقلنا إلى مَشاهد باهتة وغير مثيرة. الشخصيات الثانوية عابرة، لا تترك مساحة للتعاطف، وهايكه نفسها تبقى بعيدة عن قدرتنا على المساندة.
يحاول الفيلم اللعب على المظلومية التي تعاني منها البطلة، لكنه لا يمنحنا أسباباً وجيهة للانخراط في حالتها. كلّ الخيوط، سواء في الكتابة أو الإخراج، ظاهرة جداً، تحاول أن تصنع مُشاهداً ملتزماً، لا أكثر. في النهاية، لا نتفهّم كثيراً استياءها، وإنما نراقب، بعين واعية، حياة رتيبة تُفرَض على شخصية في سعيها للصمود وسط منظومة متقلّبة وعديمة الرحمة.
نبض