"كنيسة مار أفرام السُّرياني في باريس" للمؤرّخ جوزيف الياس كحالة... بحثٌ تاريخيّ يؤكّد عجز التكنولوجيا وروبوتاتها عن إلغاء دور الإنسان
مارلين سعاده
حين تكون شغوفًا بالكلمة يصبح الكتاب أثمن هديّة قد تحوزها، ويكون لها بُعدٌ أعمق حين تعلم أنّ مرسلها تخطّى كل الحواجز والمشقّات، ويسّرَ لها السُّبُل، غير هيّاب. لطالما حظِيتُ بنعمة الحصول على كُتُب وصلتني هدايا من لبنان وخارجه (مصر، السعودية، المغرب، فرنسا، السويد...)، من أصدقاء أحبّاء مولعين بالكلمة، يكرّسون ذاتهم لنشر ثمارها المتنوّعة الشهيّة – غير السامّة – المثقلة بالقِيَم، لما فيه خيرُ سكّانِ كوكبِنا الرائع، أسيرِ الأطماع والأحقاد والحروب... وسلامُهم.
وصلني مؤخّرًا من فرنسا، من المؤرّخ الصديق د. جوزيف الياس كحالة كتابه البحثيّ المعنون "كنيسة مار أفرام السُّرياني في باريس"، وهو من ضمن سلسلة "السريان تاريخًا وثقافة" التي يشرف عليها كلٌّ من المطران مار يعقوب إفريم سمعان، والباحث الدكتور جوزيف كحّالة، والأديب الناشر ناجي نعمان، وقد صدرت الطبعة الأولى للكتاب موضوع المقال عن دار نعمان للثقافة، في كانون الأول 2025. والدكتور كحّالة مؤرّخ سوريّ مرموق، من مواليد حلب الشهباء، و"أحد أبرز المتخصّصين في تاريخ المسيحيّة الشرقيّة، وصاحب إسهامات بحثيّة عميقة في دراسة الفلسفة واللاهوت والتاريخ، ولا سيّما في ما يتعلّق بالفلاسفة العرب المسيحيّين خلال العصر الذهبي للإسلام"، بهذه الكلمات عرّف عنه الإعلاميّ جاد موصلّي، خلال لقاء مصوّر أجراه معه في 20 كانون الثاني 2026 ضمن برنامجه على يوتيوب "Podcast مجاز شرقي" ، ولخّص فيه مسيرته العلميّة بين سوريا ولبنان وإيطاليا وفرنسا، وإنجازاته البحثيّة ما بين دراسات في التصوّف الإسلامي ودراسات في تاريخ مسيحيّي الشرق، لا سيما في مدينته، حلب؛ مشيرًا إلى أنّه صدر له خلال ثلاثين عامًا ثلاثون كتابًا.
يمتاز هذا الإصدار بغلافه الأنيق ذي الوجهين، واحدٌ بالعربيّة تتوسّطه صورة ملوّنة لمدخل الكنيسة موضوع الكتاب، والثاني بالفرنسيّة تتصدّره صورة شفيعها؛ ذلك أنّه يحتوي على قسمين، عربي وفرنسي، كونه يؤرّخ لكنيسة مار أفرام السرياني في باريس، وجاء خصّيصًا ليتوّج الاحتفال بمئويتها، فكان خير معرِّفٍ عن تاريخها، ليس خلال المئة سنة التي مضت على تأسيسها فحسب، وإنّما بدءًا من تاريخ إنشاء البناء الأوّل عام 1334، في عهد الملك فيليب السادس، حين كانت تخصّ اللمبارديين الذين تخلّوا عنها سنة 1578... قبل أن يمنَحَها الملك لويس الرابع عشر عام 1677 إلى جمعية إيرلندية... (من المقدّمة العامة ص 23) متعمّقًا في تاريخ الكنيسة قبل بيع الإيرلنديين لها، وصولًا الى تاريخ تكريسها للقديس أفرام السرياني بعد تسليم بلديّة باريس عقد إيجارها، رسميًّا، للأب جورج خيّاط، راعي طائفة السريان الكاثوليك في المدينة، عام 1927 (المقدّمة العامة ص 22). ليقوم بعدها بتعداد الآباء الذين توالوا على خدمة رعيّتها.
وقد أشار المونسنيور بيار النادر (الخوري الحالي لرعية مار أفرام السرياني بباريس، والذي شرّفني بإحضار نسخة من الكتاب هدّية من الكاتب)، أشار في مقدّمته، إلى أنّ الكتاب "ليس مجرّد توثيق لكنيسة مار أفرام السرياني في باريس، بل هو أيضًا محاولة لفهم أعمق للثقافة السريانيّة بعامّة، وللتاريخ المعاصر للجالية السريانيّة في أوربَّا بخاصّة." (تصدير ص 13).
بالفعل، من خلال تصفُّحنا لمحتوى الكتاب، يمكننا الاطّلاع على مراحل مهمّة من تاريخ الكنيسة في فرنسا، بشكلٍ عامّ، وتاريخ الجالية في أوروبّا بشكلٍ خاص. ومن خلالهما يعيدنا الى تاريخ الآباء الذين توالوا على الخدمة في هذه الرعية، منذ نشأتهم في بلدهم الأم، وخلال مسيرتهم التعلُّميّة، وانتقالهم من بلدٍ الى آخر، ليحطّوا الرحال في هذه الكنيسة، ومنهم من تدرّج في المراتب الكهنوتية (انتُخب الأب إيلي ورده سنة 2022 أسقفًا على أبرشية القاهرة ونائبًا بطريركيًّا على مصر والسودان). وما يلفتنا، هو هذا الحضور الجامع لعددٍ من الدول العربيّة التي احتضنت أولئك الآباء، حيث تدرّجوا في العلم وتعمّقوا في اللاهوت على مقاعد مدارسها وأديرتها، من سوريا الى لبنان الى العراق فمصر... وقد امتاز معظمهم بمعرفة العديد من اللغات في آن، فكانوا رسل الكلمة بحق، ينشرونها بين الشعوب على اختلاف لغاتهم.
نلاحظ أيضًا، خلال قراءتنا، الحضور البارز لدير سيدة النجاة – الشرفة – لبنان، الذي تدرّج فيه الآباء وانتقلوا منه الى فرنسا لخدمة كنيسة السريان فيها، ثم انطلقوا منها الى بقاعٍ عديدة. كما تمرّ بنا أسماء كهنة برّزوا في تاريخ الكنيسة، من غير الطائفة السريانيّة، كالمنسنيور ميشال الحايك ابن بجّه - بلاد جبيل، من الكنيسة المارونيّة، الذي عمل مع الخوري جبرائيل سركيس من الكنيسة السريانيّة، في العام 1946 "على توحيد القدّاس الإلهي بين الكنيستين، السريانيّة والمارونيّة، سعيًا منهما الى خلق كنيسة مشرقيّة، أي كنيسة عربيّة." (ص 65) مُظهرًا الرابط العميق بين الأخوة الذين جمعتهم محبّة المسيح وعروسه الكنيسة بجميع طوائفها.
ثمانية آباء توالوا على كنيسة مار أفرام السُّرياني في باريس منذ العامين 1911 و 1925، الى اليوم، آخرهم خوري الرعيّة الحالي الأب بيار النادر - أطال الله في عمره وبارك خدمته وسدّد خطاه؛ كتب لنا المؤرّخ كحالة موجزًا عن سيرتهم، وكيفيّة تدرّجهم في الخدمة الكهنوتيّة، وأضاء من خلالهم على واقع أبناء الكنيسة، فأذهلنا بدقّة مصادره القديمة والحديثة، فاتحًا لنا ما بات بعيدًا عن متناولنا من صفحات التاريخ الغارقة في بطون الكتب على أرفف المكتبات، منها المحظور ومنها المتاح، قرأها عنا ونقل لنا خلاصاتها بأمانة وعناية، ومن بين مصادره برز اسم الفيكونت فيليب دي طرّازي الذي حلّ عليه ضيفًا البطريرك رحماني في ربيع العام 1899 (ص 42). فما على من شاء أن يستزيد من المعرفة ويستمتع بتاريخ هذه الكنيسة ورجالاتها إلّا أن يقتني هذا الكتاب وينبش ما فيه من كنوز.
نعيش اليوم في عصرٍ يحاصرنا بعوالم التكنولوجيا غير المألوفة، حيث تنتابنا مخاوف من تسلّطها علينا وتحكّمها بمصيرنا، وهو أمرٌ يؤرّقنا ويشعرنا بانتهاء دورنا وبدء زمن جديد لعالم جديد مختلف لا مكان لنا فيه! إنّ ما نقع عليه من أبحاث مهمّة لباحثين أفاضل، كالدكتور جوزيف الياس كحالة، يغوصون من خلالها في تاريخنا، أو يُبحرون في عالمنا الحاضر، ناقلين لنا صورةً حقيقيّة لأناس زيّنوا مجتمعنا وشرّفوه، متشبّثين بتاريخهم وأصولهم وأصالتهم، يؤكّد أنّ ما يشاع عن موت "الإنسان" وسيطرة " الآلة / الروبوت"، أمرٌ غير دقيق، ومصطنع، ومفروض علينا بهدف محوِ تاريخنا، وطمس إنسانيّتنا، والتعتيم على حضورنا. فكلّ التحيّة وفائق التقدير لهؤلاء الجنود الساهرين دومًا، مكرّسين جهدهم من خلال أبحاثهم للحفاظ على آثارنا واستمراريّتنا عبر الزمن.
نبض