الدكتور كمال ديب
في كتابي "بيروت والحداثة الثقافة والهوية من جبران إلى فيروز" (دار النهار بيروت عام 2010)، دافعت عن سيرة جبران خليل جبران كما كتبها ميخائيل نعيمة. خاصة أنّ منتقدي نعيمة عابوا عليه، وهو صديق جبران الحميم، أن يذكر بالتفصيل خصوصيات جبران لا علاقة لها بأدبه وفنه، مثل إدمانه الخمر وعلاقاته النسائية.
وفي سياق دفاعي، أشرتُ إلى أعمال بيوغرافية أخرى عن مشاهير الغرب يذكر كاتبها كل شيء دون أن يترك أي محرّمات قد تسيء إلى ما انطبع في أذهان المعجبين من محاسن أولئك المشاهير. وحتى في الأفلام المعروفة مثل "آماديوس" (للمخرج ميلوش فورمان) نرى الموسيقار موتسارت يغرق في ضحك ومجون أين منه أعماله الموسيقية الخالدة التي جعلته من مصاف الملائكة.
سوى أننّي فوجئت بأن نعيمة نفسه قد حوّر ما قاله جبران في مقدّمة لأعمال الأخير (إصدار دار صادر عام 1949). فقد وجدت أنّ نعيمة لم يكن وفيّاً للنص الجبراني كما يجب أو كما نعهد منه. فأنا معجبٌ بجبران واقتنيت كافة أعماله العربية والإنكليزية منذ سنوات طويلة، وخاصة المجلّدين الأنيقين اللذين أصدرتهما لجنة جبران في بشّري. حتى أني طالعتها مراراً. وكان أن وجدت أعمال جبران الكاملة في عشرة أجزاء بورق ممتاز وتجليد فاخر (دار صادر – طبعة ثالثة 1999) فاشتريت تلك المجموعة ولكني ركنتها جانباً، حتى تسنت لي فرصة قراءتها أثناء فترة نقاهتي مؤخراً. وسرّني – أوّل ما سرّني - أنّ المقدمّة الطويلة هي بقلم ميخائيل نعيمة يلخّص فيها أعمال جبران. إلى أن بلغت الصفحة 29 من مقدمة نعيمة وقرأت فيها:
"وكذلك مقاله المؤثر مات أهلي الذي كتبه يوم كانت المجاعة تحصد الناس حصداً في لبنان إبان الحرب العالمية الأولى، والذي يبلغ فيه منتهى الرقّة والعذوبة والحنان، إذ يتمّنى لو كان سنبلة من القمح نابتة في تربة لبنان يقتات بها طفل جائع، أو ثمرة يانعة في بساتين لبنان تجنيها أمرأة جائعة، أو طائراً في فضاء لبنان يصطاده صيّاد جائع".
عندها سألت نفسي إذا كان ما لخصّه نعيمة لم يكن ما كتبه جبران على ما أذكر في المجلّدين اللذين أصدرتهما لجنة جبران في بشرّي. فقفزت فوراً إلى لمجلّد السادس من مجموعة صادر (وعنوانه "العواصف") حيث تأكّد شكي، أنّ نص جبران على صفحة 70 لم يكن هو نفسه ما لخّصه نعيمة. حيث يكتب جبران في "مات أهلي":
"لو كنتُ سنبلة من القمح نابتة في تربة بلادي لكان الطفل الجائع يلتقطني ويزيل بحبّاتي يد الموت عن نفسه.
لو كنتُ ثمرة يانعة في بساتين بلادي لكانت المرأة الجائعة تتناولني وتقضمني طعاماً.
لو كنتُ طائراً في فضاء بلادي لكان الرجل الجائع يصطادني ويزيل بجسدي ظلّ القبر عن جسده.
ولكن، واحرّ قلباه، لستُ بسنبلة من القمح في سهول سوريا، ولا بثمرة يانعة في أودية لبنان، وهذه هي نكبتي. هذه نكبتي الصامتة التي تجعلني حقيراً أمام نفسي وأمام أشباح الليل".
لقد وجدت أنّ هذا النص لجبران لم يختلف بين طبعة لجنة جبران وطبعة صادر، بل أنّ نعيمة هو الذي تدخّل وجعل السنابل والسهول هي في لبنان فقط لا في سوريا. وليس في الأمر شكاً بأنّ نعيمة هو صاحب المقدمة فهو عاش خمسين عاماً بعد صدور هذه المجموعة عن دار صادر عام 1949، وكان بإمكانه تصويبها قبل الطبع لو شاء أو في أي من هذه السنوات وهو يعرف الحقيقة أكثر من غيره. فهو مثل جبران ولد في قرية جبلية (ولد نعيمة في بسكنتا عام 1889 وجبران في بشري عام 1883) في زمن السلطنة العثمانية، أي قبل عقود من ولادة "دولة لبنان الكبير". وجبران إبن بيئته هذه كان كمعظم الناس يعرف أنّه لبناني من لبنان جبل، وأنّ قومه لم يميزا بين لبنان وسوريا حيث استغرق الدولة اللبنانية نصف قرن بعد 1920 حتى أقنعت كل المواطنين بديمومة الكيان الجديد وتغليب مصطلح لبناني على هويتهم.
في عام 2007، في معرض حديثي مع المطران جورج خضر (عند تحضيري كتاب هذاالجسر العتيق) تطرّقنا إلى حقيقة أنّ ثلثي أتباع الروم الأرثوذكس هم في سوريا والثلث فقط في لبنان. وطالما أنّ هذا هو الأمر، فموقف الروم الأرثوذكس من قيام دولة لبنان الكبير يحتاج إلى شرح. فقال: "لبنان دولة لها وجود حقوقي ثابت ونحن الأرثوذكس ومنذ نشأت دولة لبنان عام 1920 أصبح ولاؤنا للبنان والهوية لبنانية.. فأن يكون للبنان علاقات مميزّة مع سوريا هذا لا يلغي وجوده الحقوقي. أما كلام البعض على أنّنا موجودون منذ ستة آلاف سنة وما إلى ذلك، فهذه قراءة غنائية للتاريخ. ولا فائدة من قراءة ميزات لشعبنا اللبناني تجعلنا مفترقين جوهرياً عن الجوار السوري. كالادعاء انك اذا خطوت بضعة أمتار من عكار الى حمص فأنّك ستجد شعباً آخراً ولهجةٍ مختلفة .. وهذا غير صحيح ومن باب الوهم".
وبناء عليه، لا اعتبر أنّ ما فعله نعيمة هو جريمة أدبية (أترك الأمر لأصحاب الاختصاص في الأدب) بل اعتبره منحى في مغالاة اللبننة وهي سائدة في مرحلة ما بعد الاستقلال إلى اليوم وليست صادقة تماماً. كتحوير مترجمين لبنانيين هما كمال اليازجي وجبرائيل جبور لعنوان كتاب فيليب حتّي "تاريخ سوريا بما فيها لبنان وفلسطين” History of Syria including Lebanon and Palestine، إلى عنوان آخر هو "تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين"، بحيث يختفي المقصد الحقيقي للمؤلّف.
ومانقصده هنا هو إخلاص الأديب أو المؤرخ للنص: فها هو المؤرّخ كمال الصليبي يعتذر من القارىء في كتابه "بلاد الشام في العصور الإسلامية الأولى" (ص 4، دار نوفل) ، في عدم إمكانية حصر تاريخ سوريا جغرافياً، رغم محاولته الحديث عن تاريخ لبنان وفلسطين عند الحاجة:

ونعود إلى الفارق بين جبران ونعيمة، فنرى أنّ الأول قد استعمل تعبير "سوريا" في تلك الفترة الزمنية ويذكر لبنان بمعنى الجبل. بينما لا نرى هذا الأسلوب إلا في ما ندر في ما كتبه نعيمة. فقد انتمى نعمية إلى طائفة الروم الأرثوذكس وشرح إيمانه الأرثوذكسي العميق وقربه من كنيسة القرية في كتاب سبعون، ودرس في المسكوبية في الناصّرة فلسطين، وفي روسيا القيصرية. فيما انتمى جبران إلى الطائفة المارونية وغادر صغيراً إلى أميركا ثم تابع دراسته في بيروت وباريس. فيتوقع المرء أنّ نعيمة – لا جبران – هو من سيتسعمل تعبير "سوريا" في كتاباته لاحقاً وليس العكس. وهذا لم يقلّل من محبتي الفائقة لنعيمة وما تركه لنا من مجوهرات أدبية.
نبض