دفاعاً عن فيم فندرز!

ثقافة 14-02-2026 | 19:12

دفاعاً عن فيم فندرز!

هل يُمحَى تاريخ كامل لأننا اختلفنا مع عبارة؟
دفاعاً عن فيم فندرز!
فيم فندرز في مهرجان برلين 2026.
Smaller Bigger

"لنبق خارج السياسة، نحن نقيضها"! كيفما قرأتُ تصريح فيم فندرز، ومن أي زاوية اقتربتُ منه، بدا لي كلامه كلام رجل مسؤول يتحدّث عن تجربة. المخرج الألماني الكبير لم يتكلّم بدافع الخوف أو الجهل، ولا انساق إلى ذلك الاسفاف الذي يحكم فضاءات التواصل والإعلام الأصفر. صحيح أن قوله كان يحتمل تفكيكاً أعمق، وشرحاً أوسع لسؤال العلاقة الملتبسة بين السينما (والفنّ عموماً) والسياسة - وهو القادر على ذلك حين يشاء - لكن علينا ألا ننسى السياق: مؤتمر صحافي داخل حدث سينمائي، حيث تُنصب الفخاخ بهدوء، وتُدفَع الكلمات دفعاً نحو عناوين صاخبة تخدم اقتصاد "الكليكات" وتغذّي نزعة استعراضية لدى بعض مَن يمارسون الصحافة. في الآونة الأخيرة، ومع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط وما تبعه من استقطاب حاد في الغرب بعد "طوفان الأقصى" والحرب على غزة، صار موقف الفنّانين سؤالاً إجبارياً، يُنتزَع تحت الضغط، ويُطلَب تحت وطأة ابتزاز يكاد يلامس التهديد. مناخ خانق، يُراد فيه من الفنّان أن يتحوّل إلى معلّق سياسي فوري، وأن يقدّم بيان ولاء قبل أن يُسمَح له بالكلام عن عمله. لم يرضخ فندرز لهذا الابتزاز. الأهم أنه غير مُلزَم بالرضوخ. فمواقفه، وأسئلته، وقلقه الأخلاقي، إن أردنا الدقّة، نراها في أفلامه الممتدة على أكثر من خمسة عقود. هناك، في الصورة والإيقاع والزمن والوجوه، قال ما يريد قوله. أما ما عدا ذلك، فليس سوى كلام مناسبات عابرة.

لعلّ أكثر ما يثير الاستياء أن تُشنّ حملة على مخرج "السماء فوق برلين" من الذين لن يبقى من أفلامهم بعد عقدين أو ثلاثة سوى أثر باهت، لأنها لم تكن سوى تعليقات آنية على الأحداث. "سينما ردّ فعل" تُستهلَك مع العناوين العاجلة وتموت بانتهاء دورة الخبر.

من العار اختزال مسار فنّان في جملة عابرة، وأن يُراد لتصريح في مؤتمر صحافي أن يتحوّل إلى "مسمار في نعشه". لنفترض أنه أخطأ التقدير. هل يُمحَى تاريخ كامل لأننا اختلفنا مع عبارة؟ هل تُختزَل تجربة ممتدّة من كوبا إلى اليابان، ومن برلين إلى تكساس، في تأويل واحد متعسّف؟

أحقّاً يُتصوَّر أن فندرز، بكلّ اشتباكه الطويل مع التاريخ والذاكرة والهوية، لا يدرك أن "الفنّ يحمل بُعداً سياسياً بالفطرة"؟ مفهوم أن كلّ جيل يميل إلى الاصطدام بالجيل الذي قبله، وأن في ذلك شيئاً من سنّة التعاقب والرغبة في إثبات الوجود. لكن بين النقد المشروع وطقس الإلغاء مسافة أخلاقية ومعرفية شاسعة!

المفارقة أن كثيرين ممّن استنكروا جملة عابرة في مؤتمر صحافي، هم أنفسهم لا يكفّون عن التنديد بتأثير السياسة في الجوائز. كم مرّة تكرّر طوال الأشهر التسعة الأخيرة أن جعفر بناهي نال "السعفة" لأنه معارض للنظام الإيراني، وأن الجائزة ذهبت إلى موقفه لا إلى فيلمه؟ إذا كان في هذا الكلام شيء من الوجاهة، فأين الخطأ إذاً في ما قاله فندرز؟

الرجل لم ينفِ تداخل الفنّ والسياسة، ولم يدّعِ براءة أفلامه من الاشتباك مع العالم. ما قاله جاء من موقع محدّد: موقع المحكِّم الجالس لتقييم أعمال الآخرين، وهو موقع بالغ الحساسية، طالته، عبر السنوات، شبهات التسييس والمحاباة الإيديولوجية. من هذا الموضع تحديداً شدّد على ضرورة ألّا يدخل المحكّم معترك السياسة، وألّا يحوّل مهمّته إلى منبر. اطمئنوا: هو يعرف الفرق بين إنجاز فيلم يشتبك مع الواقع، وبين تحويل لحظة التحكيم إلى ساحة للتنديد والاستنكار على طريقة الأمم المتحدة.

حين قال إن السينمائي ينبغي أن "يبقى خارج السياسة"، لم يكن يتبنّى وهماً طهرانياً عن فنّ منزوع السياق، بل كان يميّز بين مجالين: مجال العمل السياسي المباشر، ومجال العمل الإبداعي الذي يؤثّر بطرق أكثر تعقيداً وأبعد مدى. الأفلام، في نظره، قد تغيّر العالم، لكن ليس عبر إقناع سياسيّ بتبديل موقفه، بل من خلال زحزحة تصوّر الناس عن أنفسهم، وعن الكيفية التي يمكن أن يعيشوا بها. هذا تفريق دقيق بين التأثير الثقافي الذي يأتي عبر التراكم والفاعلية السياسية الآنية.

وحدهم المتربّصون، صيّادو المياه العكرة، يقرأون في هذا الكلام دعوة إلى العزلة أو التنصّل.
يكاد يكون هذا التمييز نفسه ما ألمح إليه جان لوك غودار في بداية السبعينات، بعد أحداث أيار 1968، حين قال إنه لم يعد يريد صنع "أفلام سياسية"، بل يريد أفلاماً "بمنهج سياسي". الفرق، كما هو واضح، في إزاحة كلمة واستبدال أخرى: من شعار إلى بنية. لا تتعلّق المسألة بانكار لسياسة الفنّ، بقدر ما هو رفضٌ لتبسيطها. ليست تهرّباً من الموقف، وإنما دفاع عن استقلالية الحيّز الذي يعمل فيه الفنّ، وعن قدرته على التأثير في الوعي. وهذا فارق لا يلتقطه مَن اعتاد قراءة العالم بعناوين عريضة.

 

فيم فندرز في مهرجان برلين 2026. (أ ف ب)
فيم فندرز في مهرجان برلين 2026. (أ ف ب)

 

كان غودار من الذين أدركوا مبكراً الفرق بين السياسة باعتبارها زينة تُعلَّق على الفيلم، خلفية أو ديكوراً، وبين السينما كفعل سياسي يطال البنية نفسها. السياسة، عنده، لا تُختزَل في موضوع يُضَاف إلى الحكاية، عليها أن تتسرّب إلى النحو الذي يُصاغ به الفيلم: من الكتابة إلى الكادر، من الإضاءة إلى المونتاج، من الإيقاع إلى موقع الكاميرا، وصولاً إلى الكيفية التي يُعاد بها ترتيب العالم على الشاشة، والعلاقة التي يُراد بناؤها مع المتفرّج.

اليوم، كم فيلماً "سياسياً" يغامر على هذا الدرب؟ قلّة نادرة. الغالب هو سينما تكتفي بادّعاء الالتزام، بينما تمارس الدعاية الصريحة لهذا الطرف أو ذاك. تمرير رسائل عقائدية مغلّفة بخطاب أخلاقي عن "تغيير العالم"، من دون مساءلة أدواتها أو لغتها أو شروط إنتاجها. سينما تطمئن جمهورها لأنها تقول له ما يعرفه سلفاً، وتلك، في النهاية، أقل أشكال السياسة طموحاً، وأفقرها سينمائياً. المفارقة أن هذا النمط يعيد إنتاج ما يزعم مقاومته، اذ يختزل التعقيد في خطاب. وكما قال فريدريك وايزمان لي مرةً بصرامته المعهودة: لا توجد دعاية "لصالحنا" وأخرى "ضدنا". هناك دعاية فقط!

يمكن تفهّم تعليق فندرز أكثر إذا تذكّرنا ما شهدته الدورتان الأخيرتان في "البرليناله" من توتّرات وصراعات جاءت من خارج الأفلام نفسها. اصطفافات بدت مقحمة على خطاب جمالي يفترض أن يكون ساحة حوار. في لحظات كهذه، يتراجع النقاش حول اللغة والأسلوب والرؤية. وإذا كان المطلوب من كلّ مشارك أن يعلن اصطفافه قبل أن يُناقش أي شيء آخر، فلماذا لا يُنظَّم مؤتمر سياسي مباشر تُعرَض فيه الحجج عاريةً، بلا سيناريو ولا إخراج ولا تمثيل ولا شاشة؟

دعوة فندرز، في جوهرها، ليست شطب السياسة، بل استعادتها إلى داخل الفيلم، بدلاً من إبقائها معلّقة خارجه كسيف فوق الرؤوس. خصوصاً أن السينما هي ما يجمع هؤلاء في حدث دولي. هي الموضوع الذي يفتح المجال لما يُفترَض أن يكون حوار ثقافات، بدلاً من أن يكون ساحة إضافية لصراعها. وإذا كانت برلين تحديداً قد شهدت في الآونة الأخيرة مستوى غير مسبوق من التعبئة والاصطفاف، فإن الحساسية تجاه أي تصريح تصبح مفهومة، وإن لم تكن مبرَّرة دائماً.

في كلّ مرة تُذكَر عبارة "فصل السياسة عن الفنّ"، يندلع هجومٌ مضاد: "كلّ شيء سياسي، ولا يمكن الفصل بين الإثنين!". هذا صحيح. حتى فندرز نفسه سبق أن أقرّ بأن كلّ فيلم هو، بطريقة ما، فيلم سياسي، بما في ذلك الفيلم الترفيهي الذي قد يسعى إلى إلهاء الناس عن واقعهم السيئ عمداً. لكن الإقرار بتسييس العالم لا يعني تطابق كلّ المستويات. ولا تناقض أصلاً بين القولين المنسوبين لفندرز إلا إذا أصررنا على قراءة حرفية تُلغي الفروق الدقيقة. الفرق، في المحصلّة، هو ذاته الفرق الذي يتحدّث عنه غودار بين "فيلم سياسي" و"فيلم مشغول سياسياً": الأول قد يكتفي بالانحياز، الثاني يسائل حتى انحيازه.

في ظلّ هذه المهاترات، ينبغي أن نفهم أيضاً من أين يأتي فندرز، حتى لا يتحوّل كلّ فرد إلى مركز الكون: قضيته هي الأسمى، مأساته هي الوحيدة، والعالم بأسره متآمر عليه. ينتمي فندرز إلى جيلٍ كانت السينما بالنسبة له تجربة روحية، فسحة تأمّل واكتشاف، أكثر منها خندقاً إيديولوجياً. نشأ في تقاليد ثقافية تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية، حين كان الهمّ إعادة البناء الأخلاقي، والمصالحة، واستعادة صورة "الإنسان" بعد الخراب. في هذا الأفق، لم تكن الكاميرا أداة تعبئة.

من هنا يمكن فهم حساسيته تجاه مناخ مهرجانيّ يزداد ثقلاً بالتوجيهات السياسية والتموضعات الرمزية. نعم، قد يبدو رجل مدرسة قديمة. لكن "البقاء خارج السياسة" في قاموسه لا يعني إنكارها، بل حماية استقلالية الحيّز الذي يعمل فيه. إنه دفاع عن المسافة التي تتيح للفنّان أن يرى، والخوف أن يُملى عليه ما يجب أن يراه.
طوال مسيرته، جاء فندرز برؤية سينمائية تنظر إلى الإنسان من خارج الاستقطابات المباشرة. لذلك لا تناقض في كلامه، بل استمرارية جمالية. الفنّ يفقد شيئاً من قدرته النقدية حين يتحوّل إلى أداة إدانة جاهزة. الناشط يحتجّ والمقاوم يتصدّى وهذا حقّه ودوره. أما السينمائي، فمهمّته أن يستكشف النتائج، ويحلّل التعقيد، ويربط الحدث بالتجربة الإنسانية الأوسع. فرض دور واحد على الجميع، ما هو سوى نزعة سلطوية، حتى لو جاءت باسم العدالة.

التاريخ يقدّم شواهد قاسية على ما يحدث حين يُطلَب من الفنّ "موقف صريح" تحت طائلة التخوين أو الإقصاء. يكفي أن نتذكّر كيف حارب النازيون ما سمّوه "الفنّ المنحلّ"، واعتبروه إهانة للشعور الألماني، في حملة قادها هتلر وأجهزته الثقافية، وحوّلت الذوق والموقف إلى معيار ولاء.

كلّ هذه العناصر ينبغي استحضارها قبل التسرّع في محاكمة فنّان. مع ذلك، يبقى السؤال مشروعاً: هل على الفنّ مسؤولية تجاه الأحداث (ابادة، ثورة، كارثة، ظلم)، أم أنه متحرّر منها، يراها متى يشاء وكيفما يشاء، وقد يشاء ألا يرى؟ ليس الإشكال في طرح السؤال، بل في حسمه كحقيقة مطلقة. فبمجرد أن يتحوّل الجواب إلى عقيدة، نفقد المساحة الرمادية التي يتنفّس منها الفنّ.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 2/14/2026 11:25:00 AM
أسفرت العملية عن ضبط 2 طن و250 كيلوغراماً من أقراص الكبتاغون، بلغ عددها 14 مليوناً و62 ألفاً و500 قرص كانت مخبأة بإحكام داخل شحنة تجارية
العالم العربي 2/14/2026 11:35:00 AM
"صورة بألف كلمة... بداية جديدة"... لقاء مظلوم عبدي والشيباني في ميونيخ
المشرق-العربي 2/14/2026 11:56:00 AM
ترامب: الرئيس الشرع يقوم بعمل عظيم للشعب السوري ويعمل على توحيد البلاد
المشرق-العربي 2/14/2026 12:09:00 PM
الشيباني: نركز على إعادة الإعمار ونشترط انسحاب إسرائيل ولا علاقات اقتصادية مع إيران