افتتاح برلين 76 بفيلم "أفغاني": لا رجال جيدون ولا سينما جيدة!
افتُتِحت أمس الدورة السادسة والسبعون لمهرجان برلين السينمائي (12 -22 شباط/فبراير) بـ"لا رجال جيدون" للمخرجة الأفغانية شهربانو سادات. مشاهدة الفيلم أعادت إلى ذهني مقولة غروتشو ماركس الشهيرة: "هاكم مبادئي، وإذا لم تعجبكم فلديّ مبادئ أخرى". ذلك أن المخرجة تمدّنا بانطباع بأنها تعمل "غبّ الطلب"، والطلب هنا ذو أجندة دولية، غربية في جوهرها، يعكس المزاج السينمائي الأوروبي في مقاربة المواضيع المعقّدة بحالة من التسطيح والتدليس، وحتى التسخيف أحياناً. مواضيع جسيمة، تعاني منها مجتمعات بعيدة، وغالباً ما تبقى غامضة لعامة الجمهور الدولي. لكن، في ظلّ الدعم والتمويل الدولي، والوعود بالاحتفاء في مهرجان بارز، يقدّم بعض المخرجين ما يُطلَب منهم (أو ما يعتقدون انه يُطلَب منهم)، فينصاعون لنصوص تتيح للجمهور "غسل العار السياسي" عبر تعاطف موقّت صار في ذاته بزنساً يمر فوق المآسي.
اللافت أن الإنتاج جاء بتعاون خمس دول: ألمانيا، فرنسا، النروج، والدانمارك، بينما احتلت أفغانستان موقعاً ثانوياً في أسفل سلّم الإنتاج. وهذا، في ذاته، يعكس بشكل كبير الطابع "الأفغاني" للفيلم، الذي يبدو أحياناً وكأنه نتاج رؤية خارجية أكثر من كونه تعبيراً أصيلاً عن الواقع الأفغاني.
في عام 2021، انسحبت القوات الأميركية من أفغانستان، فانهارت الحكومة بسرعة، واستعادت حركة "طالبان" السيطرة على كابل، معلنةً عودة الإمارة الإسلامية وبداية أزمة إنسانية لا تزال مستمرة حتى اليوم. ينطلق الفيلم من الأيام التي سبقت هذا التغيير الجذري في المشهد السياسي والاجتماعي.
يتابع الفيلم الزميلين نارو (شهربانو سادات) وقادري (أنور هاشمي): الأولى كاميراوومن، والثاني مراسل لأبرز محطّات البلاد، وسيجدان نفسيهما مضطرين للعمل معاً لتغطية الأحداث اليومية في بلد يغشاه الفوضى والتعصّب، حيث انسداد الأفق وازدواجية المأزق يجعلان العيش صعباً على كلّ المستويات. من خلال هاتين الشخصيتين الرمزيتين والمنفتحتين نسبياً، تسعى المخرجة لتفريغ ما في جعبتها من نقد لتلك المرحلة (وما حولها) التي لم يستوعبها المواطنون والمواطنات الأفغان بعد. بأسلوب خفيف تتخلّله رغبة في التوثيق، يستعرض الفيلم مآلات بلد سقط، بعد عقدين من الصراع، في قبضة جماعة متطرفة لا ترى في المرأة سوى جسد ينبغي تغطيته وإخفاؤه.
لا حاجة للكشف بأن كلّ شيء سيتوَّج بمشهد المطار الشهير الذي تناقلته وسائل الاعلام، لكن من زاوية مختلفة: أفغان يتساقطون من الطائرة الأميركية، كلّ منهم محاولاً النهوض والتشبّث بما تبقّى له من حياة وكرامة.

عادةً ما يُقال إن النيّات وحدها لا تصنع فنّاً، لكن في حالة هذا الفيلم، حتى النيّات تبدو ملتبسة. الاتهام السياسي مفتوح لتفسيرات متعدّدة، خصوصاً في ما يتعلّق بالأميركيين والحكومة التي أنشأوها وسقطت في غضون ساعات قليلة.
الاهتمام الأساسي للمخرجة ينصب على المرأة الأفغانية، مستندةً إلى تجربتها الشخصية؛ المرأة التي عانت طويلاً من محاولات "طالبان" حجبها، والتي وجدت قضيتها أحياناً مستغَلّة من قبل جمعيات غير حكومية حقّقت ثروات على حسابها. فقررت استعادة سرديتها الخاصة عبر الكوميديا الرومنطيقية، لتحدث قطيعة صريحة مع الصورة النمطية عن أفغانستان كأرض للتشدّد والحروب والتخلّف، وهذا لا يعني انها ليست أرضاً للتشدّد والحروب والتخلّف!
المسألة الأساسية، كما يوضّح الفيلم، هي العداء للمرأة، وهو المشترك لكلّ العهود، سواء في عهد "طالبان" أو ما قبله. انها مسألة متجذّرة بعمق في المجتمع المتدين. البلاد كما يصوّرها الفيلم تبدو كجزر أمنية، تفصل بين المسموح والمحظور عبر ستائر حديد وعوائق ملموسة، لكن الفصل الأكبر والأكثر إيلاماً هو الفصل غير المرئي بين الرجال والنساء.
في الواقع، هناك العديد من المآخذ على الفيلم من ناحية الصنعة. يبدأ الأمر بالتمثيل، الذي يفتقر في كثير من اللقطات إلى الصدقية والأصالة، وصولاً إلى غياب أي تطوّر حقيقي طوال ثلاثة أرباع الفيلم، في حين يأتي التصعيد في الدقائق الأخيرة مصطنعاً، وليته لم يأتِ.
شخصية نارو غير مقنعة في ممارستها مهنة التصوير، ولا يبدو عليها أي أثر للخبرة، حتى وإن كانت تمرر معلومات في سياق الأحداث باعتبارها تصوّر منذ أربع سنوات. يصاحب الفيلم شعور مستمر بأن كلّ شيء متوقّع، حتى أننا نعرف ما سيقوله منذ الدقائق الخمس الأولى.
سيرة امرأة تكافح لفرض نفسها في حمأة الحروب والنزاعات الداخلية والخارجية وظروف معادية لكينونتها تقود حتماً إلى خطاب إدانة، لكن السيناريو (الضعيف) يكتفي بعرض مظلومية بدائية. ونظراً لغياب براعة المخرجة في توظيف أدوات السينما، نواجه هنا حكواتية تملك فقط الخطاب الجاهز والمستهلك والمكرر.
أمام استحالة تحويل البنّ إلى قهوة، كي تذوب الحبيبات ويبقى الطعم، يختار الفيلم الحلول المباشرة، والأكثر من مباشرة، مثل وضع الميكروفون على الرصيف لاستفتاء النساء حول علاقتهن بأزواجهن، لنحاط علماً بما كنّا نعرفه بالفعل: خشية الكثير من الرجال في المجتمعات المنغلقة من الإفصاح عن مشاعرهم، وربط الأمر بما يعتبرونه نقصاً في الرجولة. لا خلاف على هذا كله، لكن الفيلم يمر فوقه كطير مهاجر (تماماً كما في مشهد التفجير، الذي يبدو كأنه وُضع فقط لأنه "يجب أن يكون هناك تفجير")، من دون أن تحاول المخرجة تقديمه سينمائياً، بل تكتفي بوضع النساء أمام الكاميرا.
يقودنا هذا إلى الموضوع الأساسي الذي لا يستطيع الفيلم الإمساك به بجدية، رغم أنه يتصدّر العنوان: هل يوجد رجل جيد في أفغانستان؟ البطلة غير مقتنعة بذلك، خصوصاً انها تتعرّض للتعدّي المستمر من طليقها. ومع ذلك، يبدو أنها ستغيّر رأيها عندما تلتقي زميلها الحنون، فينتقل هو أيضاً من معاملتها كإنسانة درجة ثانية إلى اعتبارها "تستحق التضحية من أجلها". نعم، كلاهما سيتغيران بهاتين السرعة والخفّة من دون مراعاة مشاعر المُشاهد واعتبار لذكائه.
نبض