دلال أول مسحراتية في مصر تكسر تقاليد الرجال في رمضان

ثقافة 13-02-2026 | 06:05

دلال أول مسحراتية في مصر تكسر تقاليد الرجال في رمضان

التقت "النهار" دلال في منزلها في حي دار السلام (جنوب القاهرة) حيث استرجعت بداياتها وكواليس انخراطها في العمل كمسحراتية
دلال أول مسحراتية في مصر تكسر تقاليد الرجال في رمضان
دلال المسحراتية في مهمّتها الرمضانية. (أرشيفية- رويترز)
Smaller Bigger

"اصحى يا نايم وحّد الدايم... وقول نويت بكره إن حييت... الشهر صايم والفجر قايم... اصحى يا نايم وحّد الرزاق... رمضان كريم".

هكذا يصدح صوت دلال المسحراتية في شوارع منطقة المعادي (جنوب القاهرة) خلال ساعات الليل في شهر رمضان. تمضي من زقاق إلى زقاق وتجوب الشوارع حتى آذان الفجر، وينساب إيقاع قرعها على "الطبلة" مصحوبًا بنداء صوتها على النائمين لتناول السحور. توقظهم وتحيي معهم ذكريات الطفولة والصبا، بما تحمله من عادات متوارثة تعكس أجواء الود والألفة التي يتميز بها الشهر الكريم.

تُفتح النوافذ لتحيّتها، ويهرع الأطفال إلى الشارع لمصاحبتها في جولتها والغناء معها ويطالبونها بترديد أسمائهم، فتنادي دلال بأسماء الصغار والكبار. صوتها ليس نداءً لإيقاظ النائمين فقط، لكنه عادة سنوية تحمل في طياتها دفء رمضان وتمنحه بهجة وروحًا مميزة لا تستطيع أن تصنعها وسائل التكنولوجيا الحديثة.

 

تحافظ دلال على عادة رمضانية متوارثة. (أرشيفية- رويترز)
تحافظ دلال على عادة رمضانية متوارثة. (أرشيفية- رويترز)

 

يُعدّ المسحراتي أحد أبرز المظاهر التراثية المرتبطة برمضان، ظهر في مصر منذ عهد الفاطميين، وعلى الرغم من أنها مهنة اقتصرت على الرجال على مدار مئات السنين، فإن دلال عبدالقادر (54 عامًا) حطمت هذا التقليد، مع أنها مهنة شاقة تتطلب مجهودًا جسديًا، وسهرًا طويلًا في أجواء الفجر الباردة؛ ما يثير الإعجاب والاستغراب في آن.

التقت "النهار" دلال في منزلها في حي دار السلام (جنوب القاهرة) حيث استرجعت بداياتها وكواليس انخراطها في العمل كمسحراتية، قائلة: "جاء الأمر مصادفة بعد وفاة شقيقي عام 2012، وكان مسحراتيًا. وحين حلّ رمضان شعرنا في منطقتنا بحزنٍ كبير لغياب من يمر لإيقاظ الناس للسحور، فقررت إحياء هذه العادة حتى لا تختفي. وأنا أعمل مسحراتية منذ 15 عامًا، ولا اعتبرها مهنة بالمعنى المتعارف عليه، بل عادة رمضانية نشعر من خلالها بعبق الشهر الكريم وعاداته الجميلة ونستحضر روحانياته".

استعدادات رمضانية

وعن استعداداتها لاستقبال رمضان، قالت: "قبل حلول الشهر بأسبوع، أبدأ بالتحضير لهذه المهمة، فأغير كسوة الطبلة لتبدو جديدة ويكون صوتها أعلى وأقوى، وهذا العام زينتها بصورة اللاعب المصري محمد صلاح، إذ أكن له محبة بالغة وأدعو له بالشفاء. ومن طقوسي أيضا هو محاولة تدريب قدميّ على السير لأنني أمشي لمسافات طويلة خلال السحور، وأواظب على تناول المشروبات الساخنة لتحسين طبقات صوتي، كما أدرب صوتي لأعتاد النداء على الأسماء بصوت مرتفع، وأجهز ملابسي، إذ أحرص على أن يكون الزي الذي أرتديه مبهجًا".

 

دلال المسحراتية في مهمّتها الرمضانية. (أرشيفية- رويترز)
دلال المسحراتية في مهمّتها الرمضانية. (أرشيفية- رويترز)

 

وعن شكل الملابس التي ترتديها خلال السحور أوضحت لـ"النهار": "أرتدي عباءة رمضانية جميلة، وأزينها بقماش الخيامية المميز لرمضان، ليضفي بهجة تناسب هذه الأجواء، وأحرص على أن أبدو بشكل مهندم وحسن، لأن الأطفال ما إن يروني حتى يهرعون نحوي، وينزلون إلى الشارع ليحتضنوني ويبادلونني التحية ويلتفون حولي".

المسحراتي يهزم التكنولوجيا

رغم من مظاهر الحداثة والتطور التكنولوجي التي غيرت كثيرًا من تفاصيل الحياة اليومية، لا يزال المسحراتي حاضرًا في الأحياء المصرية، بوصفه رمزًا وتقليدًا رمضانيا وطقسًا يبعث الحنين إلى زمن أكثر بساطة. فبين نداءاته التي كثيرًا ما تتضمن أسماء الأطفال وسكان الحي، وإيقاع الطبل الذي يسبق آذان الفجر، ما يمنح مساحة للتقارب الاجتماعي واستعادة الدفء الإنساني. حتى بات حضور المسحراتي جزءًا من المشهد الرمضاني الذي يصعب تخيل ليالي الشهر من دونه، مهما تعددت وسائل التنبيه والهواتف الذكية.

 

دلال المسحراتية. (أرشيفية- رويترز)
دلال المسحراتية. (أرشيفية- رويترز)

 

وهو ما تؤكده دلال بقولها: "هذه عادة رمضانية لا تتأثر بالتكنولوجيا الحديثة، فالناس لا ينتظرونني كي أوقظهم، فغالبيتهم يكونون مستيقظين بالفعل، لكنهم يترقبون مروري لما يشيعه من أجواء الفرحة والاحتفال، لا سيما أنها عادة ينتظروها سنويا ويبتهجون بها".

الأحياء الشعبية أم الراقية... أين تتفاعل دلال؟

تجوب دلال شوارع المعادي، وتحديدًا أحياء أرض البصري وفايزة كامل والسد العالي. وهي المنطقة التي تربت وعاشت فيها. وتشير إلى أنها جربت النزول في مناطق الطبقة العليا والأحياء الراقية، لكنها لم تجد التفاعل ذاته الذي يصادفها في الأحياء الشعبية، واستطردت قائلة: "شعرت كأنني أوقظ أمواتًا، فلا أحد ينتبه لهذه العادة أو يتفاعل معي مثلما يحدث في المناطق الشعبية، فقررت أن أبقى بين الناس الذين يفهمونها ويسعدون بها".

وهكذا تواصل الحاجة دلال رحلتها، حارسةً لإحدى أقدم العادات الرمضانية، ملتزمة بالحفاظ على تلك الطقوس المبهجة وحضورها في ذاكرة وقلوب الناس.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/12/2026 3:23:00 AM
أشار التقرير إلى أن هذه المحاولات تشكّل دليلاً إضافياً على أن التنظيم لا يزال مصمّماً على تقويض الحكومة السورية الجديدة
شمال إفريقيا 2/10/2026 11:07:00 PM
يقول رئيس الهيئة العامة السورية للاجئين في مصر تيسير النجار، في حديث لـ"النهار": "أفادت التقارير التي بلغتنا بأن عمليات الترحيل تحدث بالفعل، ونسمع من إخوة لنا عمّا يحصل".
صحة وعلوم 2/11/2026 6:16:00 PM
تتكرر في لبنان والعالم الحوادث التي يتوقف فيها القلب فجأة ومن دون علامات سابقة، سواء بين المراهقين والشباب أو حتى بين الأطفال، فيما كانت هذه الفئات العمرية تُعدّ  محميّة من هذا النوع من المشكلات باعتبارها تتمتع بصحة أفضل.
دوليات 2/12/2026 11:14:00 PM
امرأة خمسينية تعترف بوضع رضيعين في مجمّد منزلها شرقي فرنسا… والسلطات تفتح تحقيقاً بتهمة قتل قاصرين.