لبنان في بينالي البندقية 2026... جناح "تعدّد بلا حدود" بتوقيع نبيل نحّاس
في رحاب المكتبة الوطنية في بيروت، حيث تتراكم طبقات الذاكرة اللبنانية، اجتمع أهل الثقافة ليعلنوا مشاركة لبنان في الدورة الحادية والستين من المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقية. تحت سقفٍ شهد على تحوّلات البلاد وحفظ حكاياتها، عاد الفنّ اليوم إلى جوهره الأول، ألا وهو أن يكون اللغة التي تُعالج عجز اللغات، والجسر الذي يُقيم نفسه بنفسه حين تتباعد الضفاف، والصوت الصافي الذي يرتفع فوق ضجيج العالم.
بحضور وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة، قدّمت المفوّضة العامة ومنسّقة جناح لبنان الدكتورة ندى غندور العمل الذي سيمثّل الفن اللبناني في الحدث العالمي: "تعدّدٌ بلا حدود"، تجهيزٌ ضخم للفنان نبيل نحّاس، يحملنا إلى البندقية كفكرة وهوية ومسار حضاري.
يُقام جناح لبنان برعاية وزارة الثقافة ومن تنظيم "الجمعية اللبنانية للفنون البصرية" (Lebanese Visual Art Association - LVAA)، بين 9 أيار/مايو و22 تشرين الثاني/أكتوبر 2026، في إطار مشاركة تسعى إلى تثبيت الحضور اللبناني في واحد من أحد أهم المحافل الفنية الدولية.

في كلمته، هنّأ الوزير سلامة نبيل نحّاس على اختياره، معتبراً أن هذا الاستحقاق يتجاوز الفنان نفسه ليطال صورة لبنان الثقافية في العالم. وأشار إلى أن البلاد تمرّ بمرحلة إعادة بناء الثقة الدولية بها، وأن للمبدعين دوراً محورياً في هذه المهمة، إذ تُستعاد الثقة أيضاً عبر إبراز لبنان بوصفه نبعاً دائماً للإبداع والخلق والإنجاز. وتزامن هذا الإعلان مع إطلاق الوزارة لاستراتيجية الصناعات الإبداعية للسنوات الخمس المقبلة، في إشارة واضحة إلى أن الثقافة ليست ترفاً، إنّما رافعة أساسية لتعزيز صورة الدولة وترسيخ حضورها الخارجي. وأكّد أنّ دعم تمثيل لبنان في بينالي البندقية يندرج في إطار قرار حكومي بتعزيز الوجود اللبناني في الخارج.
من جهتها، رأت الدكتورة ندى غندور أنّ جناح لبنان لعام 2026 يشكّل احتفاءً بالإبداع والأخوّة في عالمٍ يزداد اضطراباً. وأكّدت أنّ من واجب البلدان أن ترفع صوتاً مختلفاً عن صوت العنف، وأن تفسح المجال أمام الخيال الذي يقدّمه الفنانون، بلغة مشتركة منفتحة وحرّة، قادرة على نسج روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والأيديولوجية.

في "تعدّدٌ بلا حدود"، يستكشف نحّاس العلاقة العميقة بين الإنسان والطبيعة والكون، مقدّماً تجربة بصرية وروحانية غامرة، تتكئ على مشهدية آسرة وتدعو إلى التأمّل الذاتي. الجناح، الممتد على طول 45 متراً في موقع "أرسنال"، يتكوّن من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع ثلاثة أمتار. تتجاور هذه الأعمال لتشكّل إفريزاً هائلاً يطوّق الزائر ويدعوه إلى الانخراط في فضاء لا يُشاهَد من الخارج بقدر ما يُعاش من الداخل.
مستلهماً المنمنمات الفارسية، يتحرّر العمل من السرد الخطي ومن القراءة الأحادية، ليقدّم تجربة حسّية لا تختزل في تفسير. تتكثّف في اللوحات لغة تشكيلية غنية، تتقاطع فيها التجريدات الهندسية المستوحاة من الفن الإسلامي والغربي مع عناصر تجسيدية وبُنى كسورية متوهّجة، لتصنع استمرارية بصرية مفاجئة، تنبض بالحركة والتحوّل.

تحيل الأشكال الهندسية إلى البنية الرياضية للنظام الكوني، حيث يتجاور اللامتناهي في الصغر مع اللامتناهي في الكبر ضمن وحدة واحدة. وتتكرّر بعض الموتيفات عبر المقاييس المختلفة، في الحيوان والطبيعة، تذكيراً بانتماء الإنسان إلى كلٍّ لا حدّ له. ويبرز الشكل اللولبي، بما يحمله من دلالة على اللانهاية في الطقوس الصوفية، كقوة إيقاعية تؤثّر في العقل، في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.
يُعدّ نحّاس، المولود في بيروت عام 1949، أحد أبرز الأسماء في المشهد الفني المعاصر. نال بكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا، ثم ماجستير الفنون من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل بين بيروت ونيويورك، وتدخل أعماله ضمن مجموعات مؤسسات عالمية كبرى، من المتحف البريطاني و"تيت" في لندن، إلى "المتروبوليتان" في نيويورك، ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن، ومؤسسة "بارجيل" في الشارقة، والمتحف العربي للفن الحديث في الدوحة، ومتحف "غوغنهايم" أبوظبي، وغيرها من المؤسسات البارزة. ويمثّله كلٌّ من: غاليري صالح بركات (بيروت)، لاوري شبيبي (دبي)، غاليري تانيت (ميونيخ)، وبين براون للفنون الجميلة (لندن – هونغ كونغ).
بهذا الجناح، لا يذهب لبنان إلى البندقية بعمل فني فحسب، بل برؤيةٍ ترى في التعدّد طاقةً خلاقة، وفي الجذور أفقاً، وفي الفنّ وعداً دائماً بإمكانٍ آخر للعالم.
نبض