الشاعر والأديب طارق آل ناصر الدين.
فاروق غانم خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
فقد لبنان والعالَم العربيّ أحدَ عمالقةِ الإبداعِ وفرسانِ الكلمةِ الملتزمةِ. برحيلِ الشاعرِ والأديبِ طارق آل ناصر الدين، عن عمرٍ ناهزَ الثمانينَ، تُطوى صفحةٌ نادرةٌ من صفحاتِ الشعرِ الذي حوَّلَ القصيدةَ إلى فعلِ مقاومةٍ، واللغةَ إلى هويةٍ، والموقفَ إلى إرثٍ خالدٍ. لم يكن شاعرًا عاديًّا، بل كان «أميرًا» على مساحةٍ واسعةٍ من الوجدانِ الجمعيِّ، حملَ همومَ أمتِه ودفعَ ثمنَ مواقفِه غاليًا.
نشأَ طارق آل ناصر الدين في كفر متى في جبل لبنان، في بيتٍ اشتهرَ بالعلمِ والأدبِ؛ فوالدُه نديم وجدُّه أمين بك كانا مدرسةً في اللغةِ والتاريخِ. تلقّى تعليمَه الابتدائيَّ في المدرسةِ الداوديةِ في عبيه، ثم انتقلَ إلى كليةِ المقاصدِ في بيروت، حيث بدأت موهبتُه المبكِّرةُ في الخطابةِ والشعرِ تتفتّحُ منذُ الثانيةِ عشرةَ من عمرِه، ليتألّقَ لاحقًا في الجامعةِ اللبنانيةِ (كليةِ الحقوق)، ويحصدَ المراتبَ الأولى في المسابقاتِ الأدبيةِ.
لكنَّ الشابَّ الواعدَ لم ينغمسْ في صالوناتِ الأدبِ المجرَّدِ. منذُ البدايةِ، جمعَ بين الحسِّ الوطنيِّ العميقِ والرؤيةِ الفكريةِ الثاقبةِ، فجاءَ شعرُه تعبيرًا صادقًا عن هويّتِه المزدوجةِ: العربيةِ الفصيحةِ، والعروبةِ المتجذِّرةِ في الوعي. كان يؤمنُ بأنَّ اللغةَ مرآةُ الوجدانِ الوطنيِّ، وأنَّ الحداثةَ تبدأُ من الذاتِ لا من تقليدِ الآخرِ.
هذا الموقفُ جعله شاعرَ «موقفٍ» بامتيازٍ، لا شاعرَ مناسباتٍ. ترأّسَ رابطةَ الأقلامِ العربيةِ (1969–1975)، وجمعت نشاطاتُه بين مناصبَ ثقافيةٍ رفيعةٍ، كمستشارِ المؤتمرِ الشعبيِّ اللبنانيِّ والحركةِ الثقافيةِ، وصولاً إلى كونِه أحدَ مؤسِّسي بيتِ الشعرِ وجمعيةِ أبناءِ العربيةِ. كان همُّه الأكبرُ الحفاظَ على الوحدةِ الثقافيةِ العربيةِ ومقاومةَ التغريبِ العشوائيِّ، معتبرًا الثقافةَ رسالةً حضاريةً تتجاوزُ الحدودَ.
في شعرِه، لم يعرفِ التقيُّدَ بنمطٍ واحدٍ. كتبَ التفعيلةَ والشعرَ الحرَّ، وبرعَ في الزجلِ والمحكيةِ والنثرِ، مؤكِّدًا أنَّ الشاعرَ الحقيقيَّ هو من يملكُ أدواتِه كلَّها ليعبِّرَ عن قضاياِه جميعِها. فجاءت دواوينُه مثل «العائد من كل الأشياء» (1995)، و«قصائد مؤمنة» (1996)، و«تابعوا موتنا»، و«أماكن الروح»، و«حب وحب» (2018)، الذي يُعَدُّ خلاصةَ تجربتِه، وسجلًّا حيًّا لانشغالاتِه: الحبِّ، الوطنِ، فلسطينَ، العدالةِ الاجتماعيةِ، ونقدِ الاستبدادِ والفسادِ. أمّا مخطوطاتُه مثل «لا ترحلي» و«معلقات على جدار القلب»، فتكشفُ عن شاعرٍ يعشقُ الحياةَ والإنسانَ بكلِّ تناقضاتِهما.
كانت قصائدُه وطنيةً عميقةً، تحفرُ في التاريخِ لتستخرجَ منه الأملَ للغدِ. يقولُ في قصيدةٍ تعكسُ صلابةَ إرادةِ شعبٍ:
«وَجَوَّعُونا وما جاعَتْ إرادتُنا
خبزُ الكرامةِ قد يُغني عن الزادِ»
وفي أخرى، يُلخِّصُ فلسفتَه الإنسانيةَ:
«أحبُّ الناسَ فالإنسانُ حلمٌ
تجاوزَ كلَّ أسبابِ الفناءِ
أحبُّ الراحلينَ فهم تراثي
أحبُّ القادمينَ فهم رجائي»
لم يكتفِ بالكتابةِ، بل نزلَ إلى الساحاتِ. ألقى الشعرَ على منابرِ لبنانَ من جنوبِه إلى شمالِه، داعيًا إلى الوحدةِ والسلامِ، حتى تعرّضَ لمحاولاتِ اغتيالٍ متعدّدةٍ بسببِ صوتِه الصادحِ والحرِّ.
اليومَ، ونحن نودّعُ طارق آل ناصر الدين، فإننا لا نودّعُ شاعرًا فقط، بل نودّعُ مناضلا فكريًّا، ومثقّفًا عضويًّا عاشَ قناعاتِه حتى النهايةِ. رحيلُه يتركُ فراغًا في خريطةِ الشعرِ الملتزمِ، لكنه يتركُ لنا إرثًا خالدًا: إرثَ الوفاءِ للغةِ، والجمعَ بين الأصالةِ والحداثةِ على طريقته الخاصةِ، وإيمانًا راسخًا بأنَّ الشعرَ هو أقصى ما يصلُ إليه الوجدانُ، وهو الرسالةُ التي نوجِّهُها للحياةِ وللأجيالِ.
وكما قالَ ذاتَ مرةٍ في وصفِه الصادقِ للحياةِ والإبداعِ: «لا يخلُدُ إلا من يُحبّ… وأنا لستُ بائعًا للأملِ في عالمٍ غارقٍ بالجريمةِ… ولستُ متفائلًا بالخلودِ المجانيِّ». بهذه الروحِ الواقعيةِ المفعمةِ بالحبِّ عاشَ، وبهذه الروحِ سنتذكّرُه: شاعرًا كبيرًا لم يبعْ كلمتَه، ولم يتنازلْ عن حلمِه، تاركًا لنا قصيدةَ لبنانَ والعروبةَ والإنسانِ، التي لن تتوقّفَ عن التدفّقِ.
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
فقد لبنان والعالَم العربيّ أحدَ عمالقةِ الإبداعِ وفرسانِ الكلمةِ الملتزمةِ. برحيلِ الشاعرِ والأديبِ طارق آل ناصر الدين، عن عمرٍ ناهزَ الثمانينَ، تُطوى صفحةٌ نادرةٌ من صفحاتِ الشعرِ الذي حوَّلَ القصيدةَ إلى فعلِ مقاومةٍ، واللغةَ إلى هويةٍ، والموقفَ إلى إرثٍ خالدٍ. لم يكن شاعرًا عاديًّا، بل كان «أميرًا» على مساحةٍ واسعةٍ من الوجدانِ الجمعيِّ، حملَ همومَ أمتِه ودفعَ ثمنَ مواقفِه غاليًا.
نشأَ طارق آل ناصر الدين في كفر متى في جبل لبنان، في بيتٍ اشتهرَ بالعلمِ والأدبِ؛ فوالدُه نديم وجدُّه أمين بك كانا مدرسةً في اللغةِ والتاريخِ. تلقّى تعليمَه الابتدائيَّ في المدرسةِ الداوديةِ في عبيه، ثم انتقلَ إلى كليةِ المقاصدِ في بيروت، حيث بدأت موهبتُه المبكِّرةُ في الخطابةِ والشعرِ تتفتّحُ منذُ الثانيةِ عشرةَ من عمرِه، ليتألّقَ لاحقًا في الجامعةِ اللبنانيةِ (كليةِ الحقوق)، ويحصدَ المراتبَ الأولى في المسابقاتِ الأدبيةِ.
لكنَّ الشابَّ الواعدَ لم ينغمسْ في صالوناتِ الأدبِ المجرَّدِ. منذُ البدايةِ، جمعَ بين الحسِّ الوطنيِّ العميقِ والرؤيةِ الفكريةِ الثاقبةِ، فجاءَ شعرُه تعبيرًا صادقًا عن هويّتِه المزدوجةِ: العربيةِ الفصيحةِ، والعروبةِ المتجذِّرةِ في الوعي. كان يؤمنُ بأنَّ اللغةَ مرآةُ الوجدانِ الوطنيِّ، وأنَّ الحداثةَ تبدأُ من الذاتِ لا من تقليدِ الآخرِ.
هذا الموقفُ جعله شاعرَ «موقفٍ» بامتيازٍ، لا شاعرَ مناسباتٍ. ترأّسَ رابطةَ الأقلامِ العربيةِ (1969–1975)، وجمعت نشاطاتُه بين مناصبَ ثقافيةٍ رفيعةٍ، كمستشارِ المؤتمرِ الشعبيِّ اللبنانيِّ والحركةِ الثقافيةِ، وصولاً إلى كونِه أحدَ مؤسِّسي بيتِ الشعرِ وجمعيةِ أبناءِ العربيةِ. كان همُّه الأكبرُ الحفاظَ على الوحدةِ الثقافيةِ العربيةِ ومقاومةَ التغريبِ العشوائيِّ، معتبرًا الثقافةَ رسالةً حضاريةً تتجاوزُ الحدودَ.
في شعرِه، لم يعرفِ التقيُّدَ بنمطٍ واحدٍ. كتبَ التفعيلةَ والشعرَ الحرَّ، وبرعَ في الزجلِ والمحكيةِ والنثرِ، مؤكِّدًا أنَّ الشاعرَ الحقيقيَّ هو من يملكُ أدواتِه كلَّها ليعبِّرَ عن قضاياِه جميعِها. فجاءت دواوينُه مثل «العائد من كل الأشياء» (1995)، و«قصائد مؤمنة» (1996)، و«تابعوا موتنا»، و«أماكن الروح»، و«حب وحب» (2018)، الذي يُعَدُّ خلاصةَ تجربتِه، وسجلًّا حيًّا لانشغالاتِه: الحبِّ، الوطنِ، فلسطينَ، العدالةِ الاجتماعيةِ، ونقدِ الاستبدادِ والفسادِ. أمّا مخطوطاتُه مثل «لا ترحلي» و«معلقات على جدار القلب»، فتكشفُ عن شاعرٍ يعشقُ الحياةَ والإنسانَ بكلِّ تناقضاتِهما.
كانت قصائدُه وطنيةً عميقةً، تحفرُ في التاريخِ لتستخرجَ منه الأملَ للغدِ. يقولُ في قصيدةٍ تعكسُ صلابةَ إرادةِ شعبٍ:
«وَجَوَّعُونا وما جاعَتْ إرادتُنا
خبزُ الكرامةِ قد يُغني عن الزادِ»
وفي أخرى، يُلخِّصُ فلسفتَه الإنسانيةَ:
«أحبُّ الناسَ فالإنسانُ حلمٌ
تجاوزَ كلَّ أسبابِ الفناءِ
أحبُّ الراحلينَ فهم تراثي
أحبُّ القادمينَ فهم رجائي»
لم يكتفِ بالكتابةِ، بل نزلَ إلى الساحاتِ. ألقى الشعرَ على منابرِ لبنانَ من جنوبِه إلى شمالِه، داعيًا إلى الوحدةِ والسلامِ، حتى تعرّضَ لمحاولاتِ اغتيالٍ متعدّدةٍ بسببِ صوتِه الصادحِ والحرِّ.
اليومَ، ونحن نودّعُ طارق آل ناصر الدين، فإننا لا نودّعُ شاعرًا فقط، بل نودّعُ مناضلا فكريًّا، ومثقّفًا عضويًّا عاشَ قناعاتِه حتى النهايةِ. رحيلُه يتركُ فراغًا في خريطةِ الشعرِ الملتزمِ، لكنه يتركُ لنا إرثًا خالدًا: إرثَ الوفاءِ للغةِ، والجمعَ بين الأصالةِ والحداثةِ على طريقته الخاصةِ، وإيمانًا راسخًا بأنَّ الشعرَ هو أقصى ما يصلُ إليه الوجدانُ، وهو الرسالةُ التي نوجِّهُها للحياةِ وللأجيالِ.
وكما قالَ ذاتَ مرةٍ في وصفِه الصادقِ للحياةِ والإبداعِ: «لا يخلُدُ إلا من يُحبّ… وأنا لستُ بائعًا للأملِ في عالمٍ غارقٍ بالجريمةِ… ولستُ متفائلًا بالخلودِ المجانيِّ». بهذه الروحِ الواقعيةِ المفعمةِ بالحبِّ عاشَ، وبهذه الروحِ سنتذكّرُه: شاعرًا كبيرًا لم يبعْ كلمتَه، ولم يتنازلْ عن حلمِه، تاركًا لنا قصيدةَ لبنانَ والعروبةَ والإنسانِ، التي لن تتوقّفَ عن التدفّقِ.
الأكثر قراءة
سياسة
2/8/2026 12:11:00 PM
ما هي المستشفيات الثمانية التي أُدرِجت على "قائمة الإرهاب"؟
المشرق-العربي
2/7/2026 2:49:00 PM
ما الذي قاله الأسد لسائقه قبل هروبه؟
المشرق-العربي
2/9/2026 2:08:00 AM
فيديو من البنتاغون يوثق جسماً غامضاً فوق سوريا… هل نحن أمام ظاهرة تتحدى الفيزياء؟
Fact Check
2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime.
نبض