حين تنتصر الروايةُ والسينما للكتابةِ هويةً للفرد

ثقافة 09-02-2026 | 19:38

حين تنتصر الروايةُ والسينما للكتابةِ هويةً للفرد

تعود السينما الباريسية الجادّة عبر فيلم "À pied d'œuvre" الذي يستلهم سيرة كاتبٍ يصارع إكراهات العيش والسوق دفاعًا عن حق الإبداع.
حين تنتصر الروايةُ والسينما للكتابةِ هويةً للفرد
باستين بويولون في "À pied d'œuvre". (ملف الفيلم)
Smaller Bigger

خلال شهر أعياد الميلاد وما تلاها، حقّق فيلم "أفاتار 3" في القاعات الفرنسية أرقامًا قياسية في عدد المشاهدين والمداخيل (7،4 مليون)؛ معلوم أنه فيلم خيال علمي مثير وجذاب للجمهور العام. ثم تلته مع بداية العام الجديد أفلام من أنواع مختلفة للاستهلاك غير لافتة. إلى الأسبوع الأول من شهر شباط/فبراير، استأنفت القاعات الباريسية عروضًا مرفهة وجادة. ما استوقفني، شريطان يحظيان بإقبال واهتمام فئة خاصة من الجمهور، "Le Mage du  Kremlin" و"À pied d'œuvre"، ويعيدان الثقة إلى أنّ السينما، كفنٍّ تثقيفي للفكر والذوق، لم تمت أو هي إلى زوال، نظير المتشائمين حول مصير الكتاب الورقي. ميزة الشريطين الأولى عندي تتجلى في استلهامهما وتجسيدهما لروايتين ذاتَي قيمة أدبية ومقدّرة، الأولى للكاتب جولِيانو دا إمبولي حازت جائزة الأكاديمية الفرنسية (2022) وأوشكت على الغونكور، بطولتها وأجواؤها في قصر الكرملين وكواليس حكم بوتين نفسه. والرواية الثانية هي التي تعنينا لكاتبها فرانك كورتيس صدرت عن "غاليمار" سنة 2023.

حين وصلتُ عصر يوم السبت إلى قاعتي المفضلة (Les 7 Parnassiens) المتخصصة في أفلام المؤلف والتجريب بشارع مونبرناس، وجمهورها محدود، فوجئت باكتظاظ وزحام غير معهودين. محظوظًا فزت بواحد من آخر ثلاثة مقاعد. في طابور الدخول طفقت أفرز الداخلين من أعمارهم وهندامهم وجنسهم، ناضجين عمرًا، متعلمات، مثقفين، قرّاءً منتظمين، أساتذةً، صحفيين وكتابًا حقيقيين، أو متطلعين شغوفين. هذا الاستقراء مهمّ وذو علاقة عضوية بالفيلم الذي جئت لمشاهدته ظانًّا أني منفرد به وإذا المشاهدون غفير. لا مناص من أن أحكي لكم القصة، وضروري جمع خيوطها من الفيلم والرواية المستلهمة.

 

ملصق الفيلم. (Diaphana Distribution)
ملصق الفيلم. (Diaphana Distribution)

 

"À pied d'œuvre" سأترجمه بثلاثة عناوين كلها مناسبة حسب السّياق: "بصدد العمل"، "قيد الإنجاز" و"بصدد الكتابة". الفيلم من إخراج فاليري دونزيلي - ممثلة وسيناريست ومخرجة (سيزار 2012) عرفت بشريطها الأول "ملكة التفاح" - وبطولة باستين بويولون الممثل البارز. اسمه في الفيلم "بول" كان يعيش حياة هانئة عادية، مصورًا مختصًّا بصور الفنانين، ويكسب دخلا شهريًا منتظمًا (3 آلاف شهريًا) بينما هواه في شيء آخر، أن يصبح كاتبًا. فاتّبع نزوته، ترك مهنة التصوير، وانفصل عن زوجته وأبنائه، وألّف ثلاث روايات، لكن مبيعها لا يلبّي المطلوب (5 آلاف نسخة فقط، وهذا رقم هزيل في سوق الرواية بفرنسا). ما يحصل عليه حقوق تأليف من دار النشر لا يكفيه للعيش، فيترك الشقة ليسكن في استوديو للعائلة، وينتقل إلى حياة الشظف همُّه واحدٌ وحيد، الكتابة، أن يفرض نفسه كاتبًا، وتحدّي عائق ما تفرضه دار نشر تطلب منه قصة بعيدة عن أنويته وخصوصياته العائلية بدعوى في العالم ما يكفي من الأحزان. لكي يعيش مضطرٌّ أن يعمل، سيتقلب في مهن شتّى: بنّاء، بستاني، سمكري، سائق تاكسي. سيتعب، يشقى، يخصّص صباحه للكتابة، والباقي كادحًا ليعيش بشقّ الأنفس، ممزقًا بين امتعاض والده منه لتركه عمله من أجل وهم الأدب، وأصدقائه المستقرين لا يقدرون قراره، وزوجته وأبنائه الأباعد؛ وبين لهب طموحه لينجز الرواية المنشودة عنده ولدى دار النشر.

سينجزها في الأخير جامعًا مادتها وشخصياتها وحبكتها من شتات وصور ما رأى وسمع وعانى في فترة المزاوجة بين الكدح من أجل العيش وإنجاز العمل (الروائي) الذي سيقنع دار النشر وتنشره وإن تحتال عليه في الحقوق وقد لاقى النجاح وحقق الطموح ورضا الأبناء.

ما رويته هو الحقيقة، أو جلّها، لأن القصة في الأصل سيرةٌ ذاتيةٌ للكاتب ورسمٌ لمسار حياته. فرانك كورتيس امتهن التصوير عشرين عامًا قبل أن يطلّق هذه المهنة ويجنَح نحو الكتابة هواه، ليلقى مصير الخصاص فيعمل في أيّ شيء ليحقق أناه الأدبية ويحقق هوية الروائي الذي أصبح. هي سيرة روائية يصبح فيها "أنا هو الآخر" بعبارة وفهم رامبو (1854 - 1891) في رسالة له (1871) ومارغريت يورسنار (1903 - 1987) "أناي كآخر"، في"مذكرات هادريان" (1951). يؤازر شريط دونزيلي رواية كورتيس في الدفاع عن المكون الإبداعي للإنسان وحقه في تجسيد كينونته كاتبًا في عالم خاضع لتوافقات التنميط الرأسمالي القاتلة لحرية الاختيار، وللحرية والاختيار ثمن يستحقان دفعهما، لذلك يقف البطل وحده ضد الجميع وينتصر لكن بلا أوهام. في نهاية الفيلم يقول فقرة من الرواية جامعة ودالة: "أن تكمل رواية ليس معناه أنها ستُنشر، وأن تُنشر ليس معناه أنها ستُقرأ، وتُقرأ لا يعني ستحظى بالإعجاب، والإعجاب بها ليس معناه النجاح، والنجاح لا ينبئ البتة بالثروة".

 

غلاف رواية فرانك كورتيس. (دار غاليمار)
غلاف رواية فرانك كورتيس. (دار غاليمار)

 

أجل، وضعية الكاتب في الغرب - مثالنا هنا فرنسا - ليست باهرةً كالمتخيل؛ قلةٌ محدودةٌ جدًّا هم الذين يعيشون من ريع مؤلفاتهم، الغالبية العظمى مضطرةٌ للعمل في مهن أخرى لكسب عيشها (بنسبة الثلثين 65 في المئة إحصاء 2025). وإذا نظرنا إلى ما يحصل عليه الكتاب من دور النشر عن حقوق التأليف، تنصّ نصف العقود المبرمة في ما يسمّى ميدان "الأدب العام" على 9 في المئة وأحيانًا أقلّ من 5 في المئة حسب التأليف. ومن كتاب بسعر 20 يورو يحصل الكاتب على 1،50 يورو. في النهاية يتقاضى الكتاب أقل من الحد الأدنى للأجور (SMIG). أضف إلى هذا غياب الشفافية في مسلسل الطبع والبيع لدى الناشرين. ناهيك عن مماطلة هؤلاء في دفع ما بذمتهم حقوقَ تأليفٍ فترى الكتاب المعوزين يطاردونهم بالمراسلات. الكتّاب المكرّسون، بضعة، وحدهم يحصلون على نسبة 15 في المئة من المبيع بشرط أن تحقّق كتبهم نسبة بيع عالية ورواج في المكتبات. نحن نتحدث هنا عن بيئة متعلمة تستهلك الكتاب كالخبز والنبيذ. في إحصاء تمّ عام 2022 يوجد 55 ألف مؤلف في فرنسا، و24 في المئة من الفرنسيين يتطلّعون أن يصبحوا كتّابًا بينهم 5 في المئة فقط يجتازون العتبة، أي من أصل 2،5 مليون حامل قلم.

لا عجب، إذن، أن يكون "À pied d'œuvre" فيلم الموسم السينمائي الحالي في باريس، وأنا لم أتحدث عن مهارات الإخراج والأداء والابتكار وحرارة الحياة ودفق المشاعر الإنسانية فيه. لم يفارقني بين قراءتي للرواية والمشاهدة، المقارنة مع وضع الكاتب العربي الذي يعيش في وضع معدم مدى الحياة: نقصٌ في الحرية، في حق والاختيار، في القراءة، وعرضة لنهب حقوقه من لدن الناشرين، وامتهان كرامته في بلدان الاستبداد وكبت التعبير، ومع ذلك يكتب. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

سياسة 2/8/2026 12:11:00 PM
ما هي المستشفيات الثمانية التي أُدرِجت على "قائمة الإرهاب"؟
المشرق-العربي 2/9/2026 2:08:00 AM
فيديو من البنتاغون يوثق جسماً غامضاً فوق سوريا… هل نحن أمام ظاهرة تتحدى الفيزياء؟
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime.