عزّة بيضون تحلّل انتكاس الحوار في التعليم اللبناني… من الصف إلى السياسة

ثقافة 07-02-2026 | 11:33

عزّة بيضون تحلّل انتكاس الحوار في التعليم اللبناني… من الصف إلى السياسة

يشكّل كتاب"ماذا يعلّمون؟ كيف يتعلّمون؟" إضافة مرجعيّة إلى المكتبة التربويّة اللبنانيّة.
عزّة بيضون تحلّل انتكاس الحوار في التعليم اللبناني… من الصف إلى السياسة
كتاب “ماذا يعلّمون؟ كيف يتعلّمون؟“ لعزّة شرارة بيضون. (دار نوفل)
Smaller Bigger

ليس التعليم والتربية في لبنان في أفضل أحوالهما، ومع ذلك يتراجع، بشكلٍ طرديّ، حضورهما في الخطاب العامّ، فقد غدت قضايا هذا القطاع ومؤسّساته بمثابة عوارض جانبيّة للأزمات المسيطرة على البلاد في السنوات الأخيرة.

وفي غمرة تعليق الأولويّات التربويّة أو تجاهلها، سواء في الخطاب السياسيّ أو الإعلام أو المزاج الشعبيّ، يبرز كتاب "ماذا يعلّمون؟ كيف يتعلّمون؟" للباحثة عزّة شرارة بيضون، الصادر حديثًا عن دار "أنطوان"، بكونه وقفةً تجريبيّة وبحثيّة، تُذكّر بأنّ أجيالًا ومجتمعات تُبنى في المدارس والجامعات اللبنانيّة، وأنّ أحوال هذه المؤسّسات ومآلاتها ليست خارج عوامل التأثير في بلد يستمرّ في وضعيّة نجاة. ففي النهاية، وأوّلًا، هذا المجتمع هو نتاج تلك التربية ومُنتجها، وليس ترفًا تفحّص العمليّة التربويّة لفهم أجيال لبنان، واستكشاف ما يحول دون تطوير هذا القطاع، والذي شخّصته الباحثة، بحسب تعريف الكتاب، في علّة إخفاق الحوار بين المنخرطين في الملفّات التربويّة.

يتألّف الكتاب من ثلاثة أقسام: "في المناهج"، و"في بعض أحوال الطلّاب واتجاهاتهم"، و"في التعليم والإرشاد"، تمتدّ على عشرة فصول، إضافةً إلى مقدّمة وملاحق. وفي قلب هذه المجموعة من الأبحاث والمقالات والمقابلات، التي طوّرتها الكاتبة-الباحثة من داخل المؤسّسة التربويّة وبين ناسها، يلاحَظ شبه، بل تراكب، بين مسار محاولات تغيير النظام التربويّ ومسار أيّ محاولة تغييريّة في لبنان. إذ لا يفاجأ القارئ بأنّ أيّ تعديل بمنزلة تغيير يمسّ القيم الرجعيّة، تجهضه سلطة الطوائف وحلفاؤها ضمن الأحزاب السياسيّة التقليديّة، لتنتهي حلقات الأخذ والردّ إلى صيغ توافقيّة تستبعد إدماج مكوّنات جديدة في المنهج التربويّ. أضاء الكتاب بطريقة مباشرة على هذا المسار من خلال مشروع إدخال التربية الجنسيّة إلى المناهج، الذي يشغل الفصل الأوّل للكتاب وربّما قاعدته الموضوعاتيّة.

وإذ تقرّ الباحثة بأنّها تروي مشاهدات وشهادات جزئيّة في التربية، لكنّ "سياقاتها كشّافة لديناميّات مجتمعيّة أعمّ"، من المحقّ إضافة أنّ هذه السياقات غير جديدة بل متجدّدة وعابرة للأزمنة اللبنانيّة، على الرغم من كتابة الجزء الأكبر من المقالات خلال العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين.

من هنا، يُستنتج أنّ السجال حول إدراج التربية الجنسيّة، الذي اشتدّ بين قوى سياسيّة متعارضة، طائفيّة وأخرى علمانيّة، ليس سوى ترجمة لفجوة راسخة في الحوار السياسيّ اللبناني، والتي غالبًا ما تنتهي إلى تسوية تصبّ في صالح المكوّن التقليدي-الطائفي. تصف عزّة بيضون هذا التعاطي بأنّه "لم يكن نقاشًا، وإنّما كان سجالًا بين موقعين ثابتين تضيق مساحة اللغة المشتركة بينهما إلى حدّ كبير". وتلحظ رفضًا للفهم، وبأنّ كلا الطرفين يعتقد باحتكاره الصواب، إذ "ينحو كلّ منهما إلى تجنّب جوهر حجّة الآخر، وإلى تجاهل إطاره المرجعي، مُصدّرًا في الوقت نفسه قيمه الخاصّة.".

حوار مقطوع: الجامعة والمدرسة الرسمية 
وما يعزّز فرضيّة الباحثة أنّ الخلل في الحوار شامل، وموجود داخل ثنائيات أخرى من اللاعبين في التربية، وَهُم الطلّبة والأساتذة في الجامعة اللبنانيّة من جهة، والمعلّمين وأولياء أمور التلامذة في المدارس الرسميّة من جهة أخرى. يتجلّى الأمر في الفصلين الرابع والثامن: "في التصوّر والواقع: الطلّاب الجامعيّون وأساتذتهم"، و"المدرّسات والمدرّسون مرشدات ومرشدون نفسيّون أيضًا".

تنطلق الباحثة من عيّنة لطالبات في الجامعة اللبنانيّة أفصحن عن تصوّراتهنّ حول الطالب/ة والأستاذ/ة، فتستخلص أنّها تصوّرات غير واقعيّة. وتفترض أنّ غياب الأطر الجامعة خارج نصوص وقاعات المحاضرات استبعد الحوار بين الطرفين، بحيث "تبقى توقّعات ومعيش كلٍّ منهما لدوره ولدور الآخر في دائرة التكّهُن، في أحسن الأحوال".

 

كتاب “ماذا يعلّمون؟ كيف يتعلّمون؟“ لعزّة شرارة بيضون. (دار نوفل)
كتاب “ماذا يعلّمون؟ كيف يتعلّمون؟“ لعزّة شرارة بيضون. (دار نوفل)

 

كما يشكّل هذا النمط تعاملَ الأهالي مع مشاكل أبنائهم في المدرسة الرسميّة. لاحظت الباحثة أنّ تدخّلهم غالبًا ما يكون دون توقّعات المدرّسين، فيمهر هؤلاء خانة التوصيات بدعوة الأهل إلى إيلاء مشاكل أبنائهم اهتمامًا أكبر. وبذلك، تبدو محاولات معالجة مشاكل التلامذة، إن وجدت، محصورة داخل المدرسة، ضمن حلقة منقطعة عن المجال الأسريّ، ما يبتر تواصل العمليّة التربويّة ويعيق التطوّر العلمي والنفسي للتلميذ/ة.

ترافق هذه المعضلة الكاتبة نفسها في الفصل الأخير "الجامعة اللبنانيّة وأنا"، الذي يحكي تجربتها الشخصية حين كانت طالبة علم نفس ثم أستاذة. يحضر هنا شعورها بالوحدة والعزلة نتيجة محاولاتها تحريك المياه الراكدة في قاعات التدريس، وإدخال مفاهيم راهنة وتقدّميّة في مادّة علم النفس الاجتماعيّ. فقد قوبلت جهودها بـ"عدائيّة مجانيّة" من زملاء، تعزوها الباحثة إلى "الغياب التام للأطر الأكاديميّة التي يسعها توفير علاقة منتظمة مع الزملاء"، ما أدّى إلى "غربة شبه تامّة واحدنا عن الآخر". وتنتهي إلى وصف هذه الحال بـ"الوحدة المتمثّلة بغياب شهود من الزملاء، متعاطفين أو نقديّين"، مؤكّدة أنّها لا تدّعي فرادة هذا الشعور، كأنّه يغزو كلّ أستاذ/ة في الجامعة اللبنانيّة، كلّ في فقاعته.

بهذا المعنى، تكشف بيضون وجوه تعطيل الحوار التربوي والتعليمي، بتشخيصه جزءًا من أزمة أوسع في إدارة الشأن العام. ومن هنا، تبدو التربية مرآة مكبّرة لانسداد سياسيّ واجتماعيّ ما لم يُكسر، سيبقى أي إصلاح تربويّ معرّضًا للتآكل.

مبادرات في وجه الانسداد
ومع ذلك، ترى عزّة بيضون أنّ محاولات فرديّة حفرت ثقبًا في جدار التعليم الرسمي، وتستحقّ الانصاف والإبراز.

خصّصت الفصل السابع، الذي حمل عنوان الكتاب "كيف يعلّمون؟ كيف يتعلّمون؟"، لمقالات ومقابلات كتبتها حول بادرات تربويّة تطوّرت بهدوء وأثمرت، وقادتها معلّمات في مدارس رسميّة. وكذلك الأمر في فصل تناول نجاح "مقاربة ريجيو إيميليا" التربويّة الإيطاليّة في المدرسة اللبنانية من خلال معلّمتين.

وترى بيضون أنّ هذه المحاولات "سيرورات هادئة ومتوارية يعمل ناسها بدافع أهداف تربويّة خالصة، غير عابئين بالصخب السياسي الخارجيّ الذي يعمل، في أحيان كثيرة، على تخريب هذه السيرورات". تتبلور بين هذه السطور دعوة إلى ردم الهوّة بين الشائع والواقع في صورة التربية، وحضٌّ على كسر حلقة الصمت التي تحبس "الممكن" داخل جدران الصفوف وتمنعه من الظهور، مما يخدم مصالح سياسيّة لا يعنيها هذا التطوّر، أو قد يضرّها. والإعلام يتولّى مسؤوليّة مركزيّة في إيلاء هذه المبادرات الناجحة الاهتمام المستحقّ، وجعلها حكايات تُروى وتنتشر وتلهم.

يشكّل كتاب"ماذا يعلّمون؟ كيف يتعلّمون؟" إضافة مرجعيّة إلى المكتبة التربويّة اللبنانيّة. يستمدّ ضرورته من كونه عابرًا للسياقات، مصوّبًا النقاش إلى طبقات بنيويّة في التربية، تدرّجت في توثيق منهجيّ واضح، وبلغة عالمة بليغة، مفهومة وذات صلة، تعكس بصمة عزّة بيضون اللغويّة وعمق تجربتها البحثيّة.

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/6/2026 11:15:00 PM
قطة سيف الإسلام… صورة مؤثرة ورسالة حزينة تشعل مواقع التواصل
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime. 
دوليات 2/6/2026 6:02:00 PM
 ما ظهر في التسجيلات شخص يحمل أغطية أو أمتعة خاصة بالنزلاء.