"رحلة الحجّ على خُطى الجَدّ" وفنّ الكِتابة على الطِّرس
تُعدّ رحلات الحج، وهي كثيرة ذهبت من جميع البلدان الإسلامية، ركنًا أساسًا وجزءًا عتيدًا من أدب الرحلة في تراثنا ومنجزِ هذا النوع. أغلب السِّفاريات اتّجهت إلى الديار المقدسة (مكة والمدينة) لأداء فريضة الحج وزيارة قبر الرسول، واتخذتها مادةَ وسردَ ووصفَ وحصادَ رحلة، من نقطة انطلاق السفر إلى مكان الوصول بالتعرف على الأمصار والمراكز العلمية والدينية، والمكوث بها زمنًا للاتصال بشيوخها، والنّهل مما يتاح من المعارف. ويتوفر تراثنا على نماذج مُثلى من عيون هذه الكتابة اشتهر منها رحلة ابن جبير (540 - 614 ه) في الجزء الثالث منها بعنوان: "تذكرة الإخبار عن اتفاقات الأسفار" قاصدًا مكة من سبتة المغربية شملت بيت المقدس والقاهرة والإسكندرية، وفي المتن المغربي تخصيصًا رحلة العبدري (أبو عبد الله محمد بن محمد العبدري الحيحي نحو 700ه) شهيرة بـ"الرحلة المغربية". تواصل تدوين هذا النوع وأصبح مع الزمن تقليدًا في النثر العربي وللمغاربة والموريتانيين فيه نصيب كبير.
يغني الأديب الإعلامي الموريتاني عبد الله ولد محمدي هذا المتن الغني والمفيد، وهو الذي كسر في السنوات الأخيرة طوق اختصاصه في المقالة السياسية العارفة بالشؤون الإفريقية، ليقتحم الكتابة السردية ببناها الواقعية والتخييلية يُطلعنا في رواياتٍ وشهاداتٍ ولوحاتٍ عن حوادث وحكايات منسية من صميم البنية الأنتربولوجية والمخيالية لبلده أبرزها: "تومبكتو وأخواتها... أطلال مدن الملح" (2015)، ورواية "طيور النبع"(2015). نحن العرب في المشارق والمغارب، لا نعرف إلا قليلًا جدًّا عن أدب موريتانيا بلد المليون شاعر، إحدى أهم القلاع المتبقية للعربية القحّ وأصولها، وعلى الحديث أقلّ، وشرح أسباب هذا يطول. تتاح مناسبة كتاب جديد لعبد الله ولد محمدي للتخفيف من هذا التقصير، ومن حسن الطالع أنه كما حدد موضوعه، وانتقى مادته، واصطفى شخوصه، ورسم عوالمه، ووضعه وأحسن إنشاءه، جعل كتابه ينتمي إلى زمنين: ماضٍ تليدٌٍ نشهد خارطته بالجغرافيا والتاريخ والثقافة والإنسان في المكان؛ والزمن الحاضرُ مُتجذّرٌ في أصوله، ممتدٌّ يانعٌ من نسوغه، ويورق بنظرات الحاضر ومن عيني الحفيد.
"رحلة الحجّ على خطى الجَدّ" (المركز الثقافي للكتاب) آخر نتاج لعبد الله ولد محمدي، تقدم للقراء وليمةً حافلةً بالمعارف عن بلاده موريتانيا انطلاقًا بؤرتها المحتد، وزاوية العلم والإيمان ومحيطُها الكبير بالانتساب إلى حبل العروبة والإسلام تمتد وشائجُهما وتتحقق ذروةُ بغيتهما عند أهل هذه الديار بزيارة البقاع المقدسة. وجد ولد محمدي ضالته في مخطوط عثر عليه لجده الشيخ الجليل محمد فال بن العلوي دوّن فيه يوميات الرحلة التي قادته عام 1889 إلى الحج، يعتبرها المؤلف بمثابة "هديةً الجد أرسلها لي عبر الزمن بقيت محروسة بين طيّات الكتب المخطوطة التي تركها طيلة أزيد من قرن وثلاثة عقود إلى أن وصلت إليّ لتدلني على الطريق" ثم يتساءل لتسويغ عمله: "هل كتبها لي خصيصًا لكي أعيد إحياءها عبر إعادة سردها؟" سؤال نجيب عنه بعد استعراض سريع لمادة الرحلة ومراحلها الغنية الممتدة من المحيط إلى الخليج.
انطلقت رحلة الجد من "عُقله اتو فجيرت في أرض العقل جنوب موريتانيا" فجر الرابع من حزيران/يونيو 1889 (5 شوال 1306 ه) برفقة اثنين من أصحابه في ركب جمال نحو مدينة (أندر) تسمى اليوم سان لوي. منها ركب الوفد القطار (سفينة البر)، ثم بعد وصولهم إلى عاصمة السينغال دكار ركبوا البحر على متن سفينة متجهة إلى مرسيليا الفرنسية. هنا انتقل الجد وصاحباه إلى سفينة تجارية تقصد الإسكندرية استغرقت رحلتها خمسة أيام ووصلت في 15 تموز/يوليو 1889. هنا مكثوا 19 يومًا زاروا فيها المدينة ولاقوا ترحابًا لائقًا، منها إلى السويس ثم مركبًا إلى ينبع النخيل من محافظات المدينة المنورة، وبعد ذلك جدة وإلى مكة المكرمة. يمضي الكتاب في سرد ووصف مناسك الحج بدايةً ونهايةً وما كابده الجد من عَنَت في محطاته وعديد مشاق في الطريق إلى المدينة المنورة ورحلة العودة إلى الإسكندرية ومنها أخيرًا إلى الديار. لا تخلو تدوينات الحجاج من حكايات عن معاناتهم الشديدة سواء الذهاب والإياب لمن كُتبت له السلامة أو أثناء أداء المناسك في الماضي قبل أن تصبح الرحلات ميسّرة من كل النواحي، لكن الرحلة الموصوفة من لدن عبد الله ولد محمدي تتميز عنها بخصائص بارزة نُعُدّها في:
1ـ أنها رحلة فقيه عالم من أقصى بادية بأرض عربية على المحيط الأطلسي تجشّم فيها الكثير.
2ـ أن الرحلة وأداء فريضة الحج غرضها، تعدته للقاء فقهاء ورجال زمانها ونقل معارفهم.
3ـ أنها رحلة صحراوية برّية وبحرية عبرت مدن الأطلسي والمتوسط والبحر الأحمر. ثم في طريق العودة جنحت نحو المدن المغربية السلطانية (فاس، مكناس والرباط) واتصلت بسلطانها ورجالها الصالحين، نقلت خلالها الرسائل، فمثلت سفرًا وسفارة تواصلية بين أقطار متباعدة.
4ـ أنها إذ تحمل عنوان ومقصد الحج رسمت في خطها مدنًا وظواهرَ وثقافاتٍ عربية وغيرها، جعلها وهي تعتمد بؤرة الذات، تتوزع على المحيط الزّمكاني وتخبر عنه بمعرفة وإفاضة.
5ـ أن هذا الكتاب رحلةٌ مزدوجة، سافر فيها اثنان: الأول الجد، والثاني الحفيد اقتفى أثره، فجاء سردُه ووصفُه نصَّ اقتفاء الأثر، وهو الأكثرُ سردًا، والأغزرُ تعريفًا ومعلومات. هكذا قام الكاتب بتحقيقين: 1ـ أخرج مخطوط جده من غياهب النسيان والتلف.2ـ انتقل جسدًا وفكرًا ووجدانًا يتقصّى بنفسه مراحل رحلة الجد، فأنتج نصّين وواحدًا متناغمًا مندغِمًا في اثنين.
وأخيرًا، وليس آخرًا، بُغيتي أن أنوِّه بعلامة قرائية نقدية تبينها النقد الأدبي الفرنسي الجديد - تقادم - هي التي نظر لها جيرار جنيت في كتابه الرائد "Palimpsestes la littérature au second degré" (الطِّرس - الأدب في الدرجة الثانية) (1982) عنى به الطرس الذي قشرنا ما خُط فيه لنكتب فوقه كتابة أخرى لا تمحو سابقتها تبقى شفافة فيها، إنه الجديد فوق القديم. يمكن تعميم كتابة الطروس هذه على كل النصوص المتحولة عن سابقة لها، منه تولّد مفهوم التناص. لن نجد في الأدب العربي المعاصر أفضل من "رحلة الحج على خطى الجد" نصًّا قابلًا للدراسة بهذا المنهج والأدوات أفضل منه، مفتوحًا للدارسين العرب المنبهرين بالنص الأجنبي، الغافلين عن العربي المتين لغةً وأسلوبًا والأصيل مادة، النصّ الجامع؛ لعلهم يتفكرون.
نبض