من الضجيج إلى العشق: رحلتي مع الست أم كلثوم

من الضجيج إلى العشق: رحلتي مع الست أم كلثوم
أم كلثوم عام 1971 من خلال عدسة المصوّر الفرنسي برونو باربي
Smaller Bigger
كم أزعجني صوتها في المرة الأولى التي سمعته فيها. يومها لم يتحمل عقلي، ولا أذناي، ذلك العمق الآتي من زمنٍ لا يشبه طفولتي. كنتُ صغيرة، وكان صوتها أثقل من قدرتي على الفهم؛ كأنه يحمل عمراً أكبر من عمري، وذاكرةً لم أكن مستعدة لاحتضانها بعد.

لكن المراهقة قلبت الموازين. دخلت الست أم كلثوم حياتي بهدوء، صديقةٍ سرّية لا يعلم بوجودها أحد. حضرت في حبي الأول، وفي كسرتي الأولى، وفي تقلبات مزاجي الحادة. رافقتني طويلًا؛ حتى في صمتي كانت تتكلم عني، كأنها الضمير الغائب الذي يقول ما أعجز عن قوله.

معها عرفت نشوة الأغنية، لا بصفتها لحناً فحسب، بل حالة كاملة. لم تكن تغني لنا فقط، بل كانت تجمعنا بالزمن، وتتجاوز المكان واللحظة، فنلتقي جميعاً في صوتٍ واحد. وأنا على يقين أن من استمع إليها، أو حضر حفلاتها، لم يعرف للملل طريقاً؛ كأنهم كانوا في موعدٍ صادق مع ذواتهم، سمعوا فيه ما غنّت لهم، وما دغدغت به أعماقهم.

  أم كلثوم أمام تمثال أبو الهول في الجيزة، القاهرة، ستينيات القرن الماضي
أم كلثوم أمام تمثال أبو الهول في الجيزة، القاهرة، ستينيات القرن الماضي

ولا ألوم الشاعر الكبير أحمد رامي حين وقع في حبها. فأنا على يقين أن أذنه عشقتها قبل عينيه؛ إذ لم يكن حبها سهلًا، مثل صوتها، ووقفتها، وحضورها الطاغي. كتب لها، وبصوته الداخلي أفصح عمّا أخفاه قلبه، أما هي فغنّت ما شعر به. وفي كل مرة كانت أم كلثوم تؤدي كلماته، كنا نعيش معه تلك المشاعر ذاتها: حباً من طرفٍ واحد… ويا للمفارقة، ويا لعدالة الصوت حين يتحول إلى اعترافٍ خالد، فهو في عمره لن يشكو من حبها مهما غرامها لوّعه. 

وهذه الاعترافات الخالدة، والرسائل المبطنة، لم تتوقف عند حدود الحب والهيام فحسب؛ فقد علّمتنا أم كلثوم كيف نُصالح أيامنا. كان صدى صوتها أشبه بانعكاسٍ دائم، وخلفيةٍ ثابتة لحياتنا. ومن أصدق الشواهد على ذلك السيدة ميري ميشيل، التي اعتبرت حفلات الست لحظات استجمامها الخاصة؛ تتأنق، وترتدي أبهى فساتينها، ثم يصطحبها زوجها الطبيب شفيق السندي، ويسيران معاً حتى دار سينما الأوبرا، القريبة من منزلهما.

وفي إحدى حفلات أم كلثوم الشهيرة، حين غنّت: "هو صحيح الهوى غلّاب؟"، جلست ميري وملامح التأثر البالغ ترتسم على وجهها، تُغمض عينيها كأنها تستحضر حبيباً غائباً. وحين صدح صوت أم كلثوم بمقطع "يا قلبي آه"، رفعت ميري منديلها المرتجف بالمشاعر، كأنها تحتمي به من فيض الإحساس. تلك السيدة، التي ظهرت في الدقيقة الثالثة والثلاثين من الحفل، تحوّلت إلى أيقونةٍ ضمن أشهر المعجبين في تاريخ أم كلثوم، وبقيت، رغم ذلك، مجهولة الهوية، بلا تفاصيل تُروى عن حياتها… سوى أنها صدّقت الصوت حتى النهاية.

لم يخطئ من أطلق عليها لقب كوكب الشرق. ومهما تعددت الروايات حول هذه التسمية، يبقى أمرٌ واحد محلّ اتفاق: أن اللقب وُلد ليليق بها. لم تكن تكتفي بأن تحمله، بل كانت تجعل لكل واحدٍ منا كوكبه الخاص في حضرتها. احترمت مستمعيها، وسيطرت عليهم بلا استعلاء، بصوتها وحده. وحين قالت يوماً: "أحب كل شيء له مستقبل"، كانت تمارس ذلك فعلياً؛ إذ نسجت لنا من الماضي مستقبلاً، ومن الذكريات مساحةً شخصية نسكنها كلما ضاقت بنا الأيام. وحتى منديلها، الذي كان يرافقها على المسرح، لم يكن تفصيلاً عابراً، بل صار جزءاً من اللحن، وإيقاعاً بصرياً يوازي الموسيقى، وملامحَ خاصة لأسطورة لا تتكرر.

وفي ذكرى رحيلها، لا أشعر أننا فقدنا أم كلثوم بقدر ما أننا تعلّمنا كيف لا نفقدها. فهي لم تغادرنا يوماً؛ ما زالت في الأغنية التي نعود إليها عند الانكسار، وفي المقطع الذي نرفعه حين نحتاج إلى عزاءٍ صادق. رحلت بالجسد، وبقيت بالصوت، بالحضور، وبالقدرة العجيبة على ملامسة أرواحنا مهما ابتعد الزمن.

جنازة أم كلثوم: تجمع 500 ألف مصري لتوديعها في القاهرة (getty)
جنازة أم كلثوم: تجمع 500 ألف مصري لتوديعها في القاهرة (getty)


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 2/2/2026 5:27:00 AM
شبكة تجسّس رباعية شاركت في استدراج شكر ومن ثم نقله إلى الداخل الإسرائيلي!
اقتصاد وأعمال 2/2/2026 5:15:00 AM
الذهب كان قد سجّل مستوىً مرتفعاً غير مسبوق عند 5594.82 دولاراً يوم الخميس!
النهار تتحقق 2/2/2026 3:31:00 PM
كان ترامب وكلينتون يغطان في النوم. وقد تمدّدا على سرير، جنباً الى جنب.  
ترامب يشيد بـ"الوفيّ جدا" دان سكافينو خلال مشاركته حفل زفافه بمارالاغو