فينوس خوري غاتا… شاعرة لبنانية عبرت إلى العالم

ثقافة 02-02-2026 | 15:30

فينوس خوري غاتا… شاعرة لبنانية عبرت إلى العالم

لم يكن لبنان في حديث فينوس خوري غاتا مجرّد ذاكرة بعيدة أو جغرافيا أولى...
فينوس خوري غاتا… شاعرة لبنانية عبرت إلى العالم
فينوس خوري غاتا (أرشيفية).
Smaller Bigger

*كابي لطيف - باريس

لم تكن فينوس خوري غاتا مجرّد اسم أدبي لامع في فرنسا، ولا روائية وشاعرة تكتب بلغةٍ أخرى، بل كانت قبل كل شيء حسّاً إنسانياً نادراً، وامرأة لبنانية الجذور حملت معها وطنها في إبداعها. نجحت في أن تشقّ طريقها في الأوساط الأدبية الفرنسية والعالمية بموهبة رفيعة واستقلالية فكرية، من دون أن تتخلّى يوماً عن قلقها الوجودي أو عن انتمائها الأول الذي ظلّ حاضراً في كتابتها ومواقفها، وفي نظرتها إلى العالم.

فينوس خوري غاتا، الكاتبة الفرنسية - اللبنانية، عاشت بين لغتين وثقافتين. انتُخبت ملكة جمال بيروت عام 1959، لكن هذا اللقب لم يكن سوى تفصيل عابر في مسارٍ اختارت له منذ وقت مبكر أن يكون أدبياً بامتياز. تزوّجت من الباحث الفرنسي جان غاتا، وأسهمت في مجلة "أوروبا" التي كان يصدرها لويس أراغون، حيث عملت على الترجمة إلى اللغة العربية، في فعلٍ ثقافيٍّ يعكس وعيها المبكر على دور الجسر بين الشرق والغرب.

منذ إقامتها في باريس عام 1972، كرّست حياتها للكتابة. نشرت رواياتٍ ومجموعات شعرية تركت أثراً عميقاً في المشهد الأدبي الفرنسي والعالمي، ونالت جوائز أدبية رفيعة، من دون أن تفقد تواضعها أو حساسيتها الأولى تجاه الألم الإنساني، ولا سيما الألم اللبناني الذي ظلّ حاضراً في نصوصها، جرحا مفتوحا.

عام 2020، خلال الحجر الصحي الذي عزل العالم خلف الأبواب، أتيحت لي فرصة إجراء حوار إذاعي معها. كان لقاءً استثنائياً مع امرأة وشاعرة استثنائية. منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن ما يميّز فينوس خوري غاتا ليس فقط منجزها الأدبي الكبير، بل جمال روحها.

ولم يكن لبنان في حديث فينوس خوري غاتا مجرّد ذاكرة بعيدة أو جغرافيا أولى. حين سألتُها خلال المقابلة كيف حالك؟ لم تجب عن ذاتها، بل أعادت السؤال إلى الوطن. قالت: "سأكون بخير حقاً حين أعلم أن حال لبنان قد تحسّن. ما يحدث لنا أمر رهيب. الفساد قتل لبنان، وهناك من لا يريد له أن ينهض. الوجوه نفسها ما زالت تحكمه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وتمنع جيل الشباب من الوصول إلى سدّة الحكم. إنّه واقع مؤلم ومحزن إلى أقصى حد".

كان في جوابها ما يختصر علاقتها بلبنان: حبٌّ لا يهادن، ووفاءٌ لا يُعفي من النقد، وألمُ من يرى وطنه يُستنزف وهو بعيد عنه جسداً، قريبٌ منه روحاً وكلمة. حتى في سنواتها الأخيرة، ظلّ لبنان يؤرقها، وكأنّ الشاعرة لم تفصل يوماً بين مصيرها الفردي ومصير المكان الذي خرجت منه.

خلال لقائنا، لم تتحدّث فينوس عن نفسها بوصفها اسماً كبيراً، بل كإنسانة تشعر بدنوّ النهاية وتفكّر في ما سيبقى بعدها. توقّفت طويلاً عند الجائزة الشعرية التي تحمل اسمها في باريس، وقالت بصدقٍ مؤثّر: "كم أخشى على هذه الجائزة من الموت، من التلاشي أو الذوبان في جوائز أخرى. أتمنى لو أن لها راعياً حقيقياً، والأفضل راعية في وسعها حمل المشعل من بعدي".

 

كانت كلماتها مشبعة بإحساس الفقد الآتي. تحدّثت عن عمرها، عن شقيقتها مي منسّى التي رحلت في التاسعة والسبعين، وعن شعورها منذ ذلك اليوم بأن الرحيل قد يكون "في الغد".

امرأة عرفت الشهرة والجوائز. تركت وراءها كتباً، وذاكرةً أدبيةً عابرة للغات. تودعها فرنسا اليوم، في كاتدرائية سيدة لبنان في العاصمة الفرنسية حيث يصلى على جثامين اللبنانيين الذين ينطفئ جسدهم في فرنسا وتبقى أرواحهم معلقة في لبنان.

 

فينوس خوري غاتا رحلت هنا، لكن روحها ما زالت تقيم هناك… 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/1/2026 11:18:00 AM
أدّت هذه العمليات إلى تفكيك الخلية بالكامل وإلقاء القبض على جميع أفرادها...
ترامب يشيد بـ"الوفيّ جدا" دان سكافينو خلال مشاركته حفل زفافه بمارالاغو
سياسة 2/1/2026 7:40:00 PM
استهداف جديد في الجنوب والمستشفيات تحذّر: تصعيد إسرائيلي متواصل يسفر عن شهداء وجرحى وتهديد للقطاع الصحي  
مجتمع 2/1/2026 12:42:00 PM
الرياح السطحية: جنوبية إلى جنوبية غربية، ناشطة، سرعتها بين 25 إلى 50 كلم/س