في مهرجان كليرمون جمهور يرفع صوته ضد نفوذ ملياردير!
افتُتحت مساء الجمعة الماضي دورة جديدة من مهرجان كليرمون فيران السينمائي، تمتد من 30 كانون الثاني/يناير إلى 7 شباط/فبراير. للمرة الثامنة والأربعين على التوالي، تحتضن المدينة على مدى تسعة أيام أفلاماً قصيرة من مختلف أنحاء العالم، في احتفاء متجدّد بـ"صنف" سينمائي نادراً ما يحظى بفرصة الوصول إلى الجمهور العريض.
يتوزّع البرنامج على أقسام عدة، تتصدّرها المسابقة الرسمية التي تقلَّص عدد حصصها من 14 إلى 12 قبل عامين نتيجة شحّ الموازنة. تضم كلّ حصّة ما بين أربعة وستة أفلام، عدد غير قليل منها من إنتاجات مشتركة. الأعمال المشاركة غزيرة ومتنوعة تحمل حسّ المغامرة، تتراوح بين الوثائقي والتحريك، مع غلبة واضحة للسينما الروائية التي تشكّل النسبة الكبرى. وكما هو متوقّع، تتفاوت المستويات الفنية، ليقع على عاتق لجنة تحكيم مؤلفة من خمسة أعضاء اختيار الأعمال المتوّجة في ختام هذا الماراثون السينمائي.
إلى جانب المسابقة الرسمية، يضمّ المهرجان أقساماً أخرى لا تكاد تُحصى، بعضها ثابت يرافق التظاهرة منذ عقود، كتشكيلة الأفلام الأفريقية التي تواكب هذا الحدث منذ 35 عاماً، وبعضها الآخر متحوّل. من بينها القسم المخصّص للأفلام الفرنسية، ولأفلام بوليسية أو موجّهة للأطفال، إضافة إلى سينما الواقع الانغماسي، و"لابو" المخصّص للأفلام التجريبية، من دون إغفال أمسية تحمل عنوان "ليلة دموية"، لا يحتاج مضمونها إلى كثير من التخمين. باختصار، يدخلنا المهرجان في متاهة حقيقية من الأشكال والألوان والأنواع والمقاربات السينمائية، إلى حدّ التوهان داخل هذا الفيض من الصور المتشابكة التي تولد نتيجة صدام ثقافات وحوار في ما بينها.
ثمة أيضاً قسم من حصتين يمنح فيه المنظّمون "كارت بلانش" لقناة "كانال بلوس" لعرض مجموعة من إنتاجاتها. "كانال بلوس" هي الراعية الرسمية للمهرجان ومن أبرز الداعمين له، غير أن ظاهرة لافتة برزت خلال السنتين الماضيتين: فكلما ظهرت اعلان القناة قبل انطلاق إحدى الحصص، عمد الجمهور إلى إطلاق صيحات استهجان جماعية، في سلوك آخذ في التحوّل إلى تقليد، الأمر الذي أثار امتعاض مدير المهرجان. ويعود ذلك إلى النفوذ الواسع الذي يتمتّع به رجل الأعمال الملياردير اليميني فنسان بولوريه في وسائل الإعلام، ومن بينها "كانال بلوس"، إضافة إلى قنوات وصحف أخرى. ويرى كثير من الفنّانين والعاملين في قطاع السينما، أن هذا النفوذ يهدّد التعددية الإعلامية وحرية التعبير. من هنا، يأتي الاستهجان في المهرجان باعتباره رسالة احتجاج رمزية على ما يمثّله بولوريه من هيمنة إعلامية.

بعد لبنان العام الماضي، يضيء المهرجان هذا العام على أفلام جنوب شرق آسيا، التي يصفها بـ"سينما في طور الإزهار". على مدى العقد الأخير، فرضت هذه المنطقة نفسها كواحدة من أكثر البقاع حيوية على مستوى الشاشة. من المناظر الخلابة في تايلاند، إلى أزقة مانيلا المزدحمة في الفيليبين، مروراً بالصمت الشعري في فيتنام، هناك جيل آسيوي جديد تولّى صوغ أفكار سينمائية برؤى مبتكرة. حصدت هذه الأعمال إشادة نقدية واسعة، كاشفةً عن صوت سينمائي متجذّر بعمق في الهوية. ويحتفي البرنامج بالموجة الجديدة من المواهب الصاعدة، التي تلتقط نبض مجتمعات تعيش تحوّلات سريعة: الصراع بين التقليد والحداثة، البحث عن الذات، والتمرد الصامت في الحياة اليومية. إنها سينما ولدت من الفضول والطاقة والحاجة الملحّة لإسماع صوت ظلّ هامشياً لعقود طويلة.
في جلسة استثنائية تحت عنوان "لغز الأرجنتيك" (أي التصوير بالفيلم الخام)، يفتح المخرج الفرنسي أنتونان بيريتجاتكو أبواب أرشيفه الشخصي ليشارك الجمهور، على شرائط 16 ملم، الأفلام التي تسكنه وتلهمه، أو ببساطة تهز أعماقه. لا يوجد برنامج معلن مسبقاً، وإنما وعد برحلة سينمائية حيث تتحوّل كلّ بكرة إلى حدث قائم في ذاته. بين نوادر منسية، لمحات تجريبية، فضوليات شاعرية، يتحوّل هذا العرض إلى حوار حميم بين الفنّان والجمهور. يصف موقع المهرجان هذه التجربة بالقول: "إنها دعوة للعودة إلى متعة المفاجأة الخالصة، تلك التي تجعل قلب عاشق السينما يخفق حين تُطفأ الأنوار ويبدأ الفيلم أخيراً". أما بيريتجاتكو فيعرّف التصوير على الفيلم الخام بهذه الكلمات: "يمتلك الـ16 ملم السحر الذي يتيح تصوير كلّ شيء تقريباً: حتى حين يكون الشيء قبيحاً، يصبح جميلاً. أما التحميض فهو دائماً نوع من المخاض".
رغم الأزمة المالية التي يواجهها المهرجان منذ فترة، والتغييرات العديدة التي شهدتها السنوات الأخيرة لمواكبة التطور واستلهام روح ثقافة الـ"ووك"، لا يزال الإقبال عليه منقطع النظير، سواء من السينمائيين الذين يسعون لعرض أفلامهم والبروز على الساحة الدولية، أو من الجمهور المتعطّش للسينما القصيرة. فقد تلقّت إدارة المهرجان هذا العام ثمانية آلاف فيلم قصير، اختارت منها خمسمائة فقط، ممّا يوضح صعوبة مهمّة الاختيار. ومع كثافة العروض، من الطبيعي أن يقع المهرجان أحياناً في فخ اختيار بعض الأعمال التي قد لا تتّفق مع جميع الأذواق والآراء، لكن ذلك يظلّ جزءاً من الحسابات الفنية والأجندات الثقافية والمنطق الإبداعي للمنظّمين، فليس هناك مهرجان في العالم يمكن أن يُرضي كلّ المتابعين في كل قراراته.
كالعادة، شهد المهرجان افتتاحين لتوسيع مساحة المشاركة أمام أكبر عدد ممكن من الجمهور، الذي بلغ نحو 180 ألف متفرج العام الماضي، بينهم آلاف من الأجانب، معظمهم من الشباب المتحمّسين لدخول عالم السينما من بوابته العريضة. فلطالما عُرف مهرجان كليرمون فيران (يُطلَق عليه "كليرمون" اختصاراً) كـ"منافس قصير" - اذا صح التعبير - لمهرجان كانّ. تضمّن الافتتاح ككلّ عام، تقديم البرنامج بخطوطه العريضة، والتعريف بأعضاء لجان التحكيم، مع عرض عشرة أفلام مختارة من الأرشيف. بين هذه الأعمال، نجد شاباً يتحدّث إلى الكاميرا عن كلّ ما كان يود فعله لو لم يصب بمرض، ورجلاً يهدف إلى إعادة بناء العلاقة مع والده، وفيلم مدته دقيقة واحدة يقدّم قراءة جديدة لـ"الراهبة" لديدرو. بهذه المجموعة، استعرض الافتتاح بعضاً من أكثر الأعمال التي تركت بصمة في ذاكرة المهرجان.
نبض