فيسوافا شيمبورسكا تقدم "قراءة غير ملزمة" انطلاقاً من تماسها مع 97 كتاباً
في كتابها "قراءة غير ملزمة" تقدم الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا الكثير من آرائها الشخصية في أسلوب لا يخلو أحياناً من السخرية وحتى النقد اللاذع، عبر تماسها مع 97 كتاباً، رأت أنها لا تحظى عادة باهتمام مراجعي الكتب في الصحافة الثقافية. ومع ذلك، تؤكد في مقدمة الكتاب نفسه أن كتابتها المنطلقة من قراءتها لتلك الكتب لا تدخل في باب المراجعات، "فأنا في الأساس أريد أن أظل قارئة هاوية، متخففة من عبء التقييم الدائم".
تطوف شيمبورسكا الحاصلة على جائزة نوبل عام 1996 بهذا الكتاب في معارف شتى، قد يصعب أن يقرنها قارئ متعجل بالشعر، بحسب التعريف به في طبعته العربية الصادرة عن دار "الكتب خان" في القاهرة بتوقيع الشاعرة المصرية المقيمة في كندا إيمان مرسال. يضم الكتاب 97 مقالاً قصيراً ينطلق كل منها من قراءة شيمبورسكا لأحد الكتب، متكئة على انتمائها - كما تقول - إلى "الطراز القديم"، على اعتبار أنها تعتبر قراءة الكتب "هي أشرف تسلية توصل إليها البشر حتى الآن". وفيسوافا شيمبورسكا (1923 - 2012) تُعدّ من أهم شعراء بولندا وأوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين، أصدرت 12 مجموعة شعرية، فضلاً عن بعض الترجمات للأدب الفرنسي. وخلال ما يقرب من 30 عاماً عملت في مجلة "الحياة الأدبية" البولندية، حيث ظهرت مقالاتها المعنونة بـ"قراءة غير ملزمة" والتي يضمّ كتابها الذي يحمل العنوان نفسه مختارات منها، ترجمتها إيمان مرسال عن الإنكليزية.
الطفلة تقرأ
وفي أحد هذه المقالات ذكرتها قراءتها لرواية "الإيطالي أو اعتراف التائبين السود" لآن رادكليف، بكتاب قرأتْه عندما كانت في الثامنة من عمرها، منزوع الغلاف والصفحة الأمامية، أصابها بإحباط بسبب نهايته التي تركت فراغاً تاقت، كما تقول، لملئه بأي ثمن، فقررت أن تكتب روايتها الخاصة، لكنها توقفت بعد أن قطعت شوطاً في كتابتها: "هنا للأسف توقف النص لأسباب غير معروفة، والآن لن أعرف أبداً ما الذي كان سيحدث بعد ذلك" (ص 100، 101).

ومن وحي قراءتها كتاب "نوادر العلماء" لفاتشلاف غليربوفياش، كتبت: "عندما نقارن أنفسنا بعلماء مثل بأول إيزيتش الذي اعتاد كتابة الرسائل لنفسه أو لويس باستور الذي نسي أن يذهب إلى حفل زفافه، أو بيير سيمون الذي اعتاد إغلاق الخزانة على االسُكرية ليحرم زوجته منها، أو ماكس جوزيف بيتنهوفر الذي ابتلع عينة بشعة من الجرثومة العصوية المعقوفة التي تُسبب الكوليرا، التي اكتشفها روبرت كوخ، ليثبت أن علماء البكتيريا وكوخ على رأسهم ما هم إلا محموعة خطيرة من المهووين بالأساطير، نشعر أننا أكثر عقلانية منهم بالتأكيد وربما أكثر ذكاءً في الحياة اليومية".
أفكار الشاعر
أما قراءتها لسيرة جون فيرن التي كتبها هربرت آر. لوتمان، فدفعتها إلى التساؤل: "كيف أصبح هذا الأب الشرير، مؤلف كتب الأطفال الأكثر شعبية وشهرة في زمنه؟ (ص 236). وعقب قراءتها كتاب "الأسطورة والشعر" لميورداغ بافلوفيتش مترجماً إلى البولندية، رأت أن على القارئ أن يقرأ ملخص أفكار بافلوفيتش عن الشعر بمعزل عن شعره، قبل أن تستطرد: "هنالك شيء ما يغيظني في السهولة التي يكتب بها الشعراء عن الشعر، فهم يكتبون كأن الشعر لا يزال يجمل أسراراً يتعذر على الأنواع الأدبية الأحرى الوصول إليها. اعتاد الشعراء على معاملة الشعر وكأنه ألف باء الأدب، وبالطبع كانت هناك فترات تاريخية تدعم هذه القناعة. لكن هذا يبدو كلاماً قديماً في أيامنا هذه. لا يزال الشعر حياً ولم يصبح نوعاً أدبياً ثانوياً، ومع ذلك يبدو لي أنه من غير اللائق منحه مرتبة لا جدال فيها من حيث نفاذ البصيرة والشعور مقارنة بالنثر والدراما (ص 119، 120).
وفي سياق آخر كتبت أن الشاعر بغض النظر عن تعليمه، وعمره وجنسه وذوقه، "لا تؤثر التفسيرات العلمية للعالم كثيراً عليه. إنه روحاني ووثني يؤمن بالقوى السرية الكامنة في جميع الأشياء، ويصدق أن بإمكانه تحريك هذه القوى بمساعدة كلمات مختارة بعناية". وذكرت في السياق ذاته أن "الشاعر قد يحصل على درجة الامتياز في سبع شهادات دراسية، ولكن في اللحظة التي يجلس فيها لكتابة قصيدة، يبدأ زيه المدرسي العقلاني في قرصه تحت إبطه. إنه يتلوى ويلهث، ويفتح ذراً بعد الآخر، وفي النهاية يقفز من ملابسه عارياً، ليقف أمام الجميع كوحش يحمل حلقة في أنفه". (ص 128).
استثناء الطبيعة
وبتأثير قراءتها لمذكرات الدوق الفرنسي سان سيمون، تذهب شيمبورسكا إلى أنّ كل من يكتب سيرته الذاتية يترك في عمله صورة أفضل أو أسوأ للأشخاص الذين يعرفهم". وخلصت من قراءتها كتاباً آخر إلى أنها تفضل عدم إثبات أو حسم مسألة الحياة خارج الأرض سريعاً أو بشكل نهائي؛ "مثلاً أنا سعيدة ولا أشعر بخيبة أمل إزاء الحقيقة المؤكدة تقريباً والتي تقول بعدم وجود حياة عل أي كوكب آخر في منظومتنا الشمسية. يعجبني أننا استثناء الطبيعة" (ص 140). ولاحظت أن كارل يوتغ يذهب في كتابه "عن طبيعة الأحلام" إلى أن الحلم الذي يراه النائم والحلم الذي يرويه هما نفس الشيء، وعلقت بأن "هذا يحجم قليلاً من إعجابي غير المشروط بالكتاب. عندما نروي أحلامنا نستخدم نوعاً من بناء الجملة لننظمها ونعقلنها، أي لنرتب فوضاها الغامضة". وأضافت: "تعتمد دقة سردنا أيضاً على المفردات التي نستخدمها وحتى على التقاليد الأدبية التي استوعبناها. يعرف كل مترجم جيد مدى صعوبة نقل الفروق الدقيقة والنبرات واللهجات من لغة إلى أخرى"، ثم تتساءل: "هل يمكن أن تكون ترجمة الأحلام إلى كلام اليقظة أكثر سهولة؟".

وفي موضع آخر تعبر شيمبورسكا عن قناعتها بأن النباتات أيضاً كائنات حية تتمتع بإرادة الحياة، "ربما في أشكال الحيوات الأخرى تبدو إرادة الحياة أكثر بديهية، ولكن هل يعني ذلك أنها غير موجودة في النبات؟ بغض النظر عن كيفية تعريفنا لهذه الإرادة في الواقع، تلقى النباتات أيضاً حتفها على طبق النباتيين". أم كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" لديل كارنيغي، فدفعها إلى القول إن هذا النوع من اليقين يثير شكوكي وارتيابي في أن غياب القلق كلياً سيكون أسوأ من القلق ذاته؛ "غياب كهذا ينم عن برودة المشاعر، فقر الخيال، والبلادة الفكرية" (ص 186).
أما "يوميات توماس مان"، فدفعتها إلى القول: "كل ما يسعدني في معظم الكتب ويدهشني ويحركني ويجعلني أفكر أو يساعدني بطريقة ما في الحياة، أبدعه بشر فانون وناقصون". وتعلق على ما أورده مترجم كتاب "فيدياي المسكين" لآنا دوستويفسكي عن الألمانية من أن تلك اليوميات يجب أن تكون دليلاً إرشادياً للزوجات في كيفية التعامل مع زوج صعب ولكنه حسن النية"، بالقول: "للأسف، تجربة آنا لا تفيد أي شخص آخر. هي لم تتبع أي دليل. كان التسامح المحِب ببساطة هو طبيعتها الثانية". وتضيف: "الحب الكبير لا يوجد له تفسير على الإطلاق. إنه مثل انبثاق شجيرة على طرف منحدر صخري بطريقة لا يمكن تفسيرها" (ص 45).
نبض