طه الهيتي في "بودكاست مع نايلة": الخط هو الموسيقى المقروءة
في حلقةٍ استثنائية من "بودكاست مع نايلة"، فتحت نايلة تويني مساحةً للحوار العميق مع الفنان والمهندس المعماري والخطّاط العراقي طه الهيتي، فكان اللقاء تأمّلاً فلسفياً في معنى الحياة، والجمال، والفن، والإنسان.
يقدّم طه الهيتي نفسه، قبل أيّ تعريف مهني، بوصفه إنساناً يسير في رحلةٍ قصيرة على هذه الأرض. من هذا الوعي بالزمن، ينبع سعيه الدائم إلى التقاط الجمال حيثما وُجد، والابتعاد عن كل ما يشوّه الروح. هكذا التقت العمارة بالفن في تجربته: الأولى فضاء ثلاثي الأبعاد، والثاني عالم ثنائي، لكنهما يتوحّدان في جوهرٍ واحد هو التعبير عن الإنسان ومعناه.
في نظره، الغنى الحقيقي لا يُقاس بما نملك، بل بما نختبره ونتعلّمه. قيمة الإنسان تتشكّل من احتكاكه بالآخرين وبالعالم من حوله، من دون أي اعتبارٍ للون أو الدين أو الجنسية. المساواة، بالنسبة إليه، ليست شعاراً بل قاعدة أخلاقية. ومن الطبيعة والحيوانات تعلّم دروساً لا تُقدَّر بثمن: الصدق، الصبر، التعاون، واحترام الحياة، فالحيوان، كما يقول، لا يعرف الكذب، ومراقبته فعل تعلّمٍ دائم.
دفعت به تجربة العيش في العراق، بكل ما حملته من حروب واضطرابات، إلى الرحيل والتنقّل بين مجتمعاتٍ مختلفة، فكانت بداية أفقٍ جديد أغنى رؤيته وعمّق تجربته الفكرية والفنية. أما اختياره للهندسة، فيعود إلى نشأته في بيتٍ نسائي، بين والدته وثلاث شقيقات، حيث التفاصيل والدقّة وحسّ الملاحظة. والده الطبيب، الذي لم يتقبّل فكرة أن يصبح ابنه فناناً، وجد في الهندسة حلاً وسطاً، فكانت العمارة المجال الذي جمع العلم بالفن، والمنطق بالحساسية.
لا يخفي الهيتي تفضيله للنقد على المديح. فالنقد البنّاء، في رأيه، محرّك للتطوّر، بينما قد يتحوّل المديح إلى عائقٍ خفي. انجذابه إلى الخط والكتابة ينبع من قدرتهما على إيصال الرسالة مباشرة، ومن سحر الحروف ومنحنياتها وبنيتها، التي تعكس مضمون العمل الفني. ويختصر رؤيته بعبارة شاعرية: "إذا كان الغناء هو الموسيقى المسموعة، فالخط هو الموسيقى المقروءة".
دراسته للهندسة عمّقت العلاقة بين العين واليد، ومنحته قدرةً خاصة على المزج بين البناء والحرف. ويتوقّف عند فكرة الإيقاع، بوصفها جوهر الحياة: في العمارة، في الموسيقى، وحتى في نبض القلب الذي يمنح الجسد توازنه. أما القهوة المرّة، فيشبّهها بالحياة نفسها، حيث لا يكتمل الحلو إلا بوجود المرّ، لأن التوازن هو سرّ المعنى.

عام 2001، أقام طه الهيتي معرضه الأول في لندن، وهناك ساعده اختلاف الثقافات على تقديم أعماله بلغةٍ كونية. يؤمن بأن تفاعل الإنسان مع الطبيعة والبيئة شرط أساسي في أي تجربة معمارية أو فنية، وبأن التكنولوجيا، رغم كل الجدل حولها، كانت عوناً له كمعماري. أما الذكاء الاصطناعي، فلا يراه بديلاً عن الإبداع، لأن روح الفنان هي التي تمنح العمل فرادته.
بصراحةٍ لافتة، يعلن الهيتي موقفه الرافض للزواج، ويعتبر نفسه محظوظاً لعدم إنجاب أولاد، حفاظاً على حريته الفكرية والوجودية. لا يتشبّث بالأفكار، بل يتخلّى عنها متى اكتشف خطأها، ويعترف بأخطائه بلا تردّد، مستفزّاً محيطه لا بدافع الجدل، بل رغبةً في التعلّم.
في ختام الحلقة، عادت نايلة تويني لتؤكّد أن التفاصيل اليومية الصغيرة، تلك التي نعيشها ونغفل عنها، هي جوهر التجربة الإنسانية. وهو جوهرٌ عبّر عنه طه الهيتي لا بالكلمات فقط، بل بأسلوب حياةٍ يرى في الجمال موقفاً، وفي الحرية خياراً، وفي الإنسان القيمة الأولى والأخيرة.
نبض