هيام عباس لـ"النهار": هويتي الفلسطينية من هويتي الإنسانية... والقيم التي أؤمن بها تُحدّد اختياراتي
في مسيرة تمتدّ لعقود بين فلسطين والعالم، تُعدّ هيام عباس واحدة من أبرز الوجوه العربية في السينما العالمية؛ فنانة حملت معها ذاكرة المكان والهوية، ولم تتخلَّ يوماً عن جذورها أو قناعتها. من قرية صغيرة في الجليل إلى السجادة الحمراء في المهرجانات الدولية، ظلت عباس تبني حضورها بخطوات راسخة ووعي عميق بالدور الذي يقدمه الفن في لحظات الألم الكبرى.
وصل فيلم "فلسطين 36" الذي تشارك في بطولته للقائمة القصيرة للأوسكار، بجانب عرضه العربي الأول في مهرجان البحر الأحمر السينمائي وحظوته بحفاوة شديدة، وسبقه تكريم "عباس" في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. ما يفتح باباً للحديث عن مسيرتها، والتطرق إلى الفن تحت النار، وفي حوارها مع "النهار"، تتحدث عن صعوبات إنتاج الفيلم، وإشكاليات الهوية ورحلتها الممتدة بين الشرق والغرب.
* كيف ترين توقيت هذا التكريم، عقب مرحلة قاسية تمر بها فلسطين؟
- لا أرى نفسي محللة سياسية، بل إنسانة يظل الأمل حاضراً في داخلها. وبعد كل ما تعرض له الشعب الفلسطيني من معاناة وإبادة، فإن ما يبقى (من أجل من رحلوا تحديداً) هو الأمل. ومن الضروري أن يظل حاملو راية الفن والكتابة والصحافة متشبثين به، كي يأتي يوم نقول إن الشهداء رحلوا من أجل هدف كبير، وليس هدراً.
وأعتبر تكريمي في مهرجان القاهرة السينمائي شرفاً كبيراً، إذ أنظر إلى مصر بعين المحبة والامتنان. فهي "أم السينما"، فالأفلام المصرية جعلتني أحلم بالسينما منذ كنت طفلة في قرية لا يتوفر فيها شيء، إلى أن أصبح في منزلنا "تلفاز" أتاح لي التعرف على عالم "السينما". ومع الوقت كبر وتشكل حلمي، ودفعتني الأفلام التي شاهدتها إلى تتبّع طريق التمثيل، وشكلت شغفي بالفن والسينما.

* يثير فيلم "فلسطين 36" اهتماماً واسعاً، خاصة بعد وصوله إلى القائمة القصيرة للأوسكار ممثّلاَ فلسطين. كيف كانت رحلة صناعته؟
- استغرق الأمر سبع سنوات لصناعة الفيلم والوصول إلى تمويله، لأنه عمل ملحمي تاريخي، ويضم فريقاً كبيراً، ويتطلب ميزانية ضخمة. وبُنيت قرية كاملة تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وكان كل شيء جاهزاً في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفجأة اندلعت أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر.
اتصلت بالمنتج أسأله "ماذا سيحدث الآن؟" فقال لي: "بتمرق... متعودين". لكن الحرب استمرت لعامين، وتوقف كل شيء. طُرحت اقتراحات لتصوير الفيلم في بلد آخر أو داخل أراضي الـ48، لكن الأمر كان صعباً على المخرج الذي وضع رؤية بصرية محددة للمكان، وكان قاسياً عليه أن يرى أحلامه تتبدد. كما أن تغيير مواعيد التصوير كان سيتسبب في مشكلة كبيرة لفريق العمل والممثلين، فلا أحد يعرف ما إذا كانوا سيتمكنون من استكمال الفيلم لاحقاً أم لا.
مع استمرار الحرب، جاءت الفرصة عندما نُقل التصوير إلى الأردن، رغم أن ذلك رفع ميزانية الإنتاج. وتمكّنا من استئناف العمل. وتبقّت مشاهد ينبغي تصويرها في الضفة الغربية والقدس. ومع الوقت، تمكن فريق العمل من تصوير مشاهد متفرقة هناك بمشاركة عدد من الممثلين المحليين، وكان ضرورياً تصويرها داخل فلسطين كما خطط لها.
* في ظل غياب مؤسسات دعم فني مستقرة، كيف ترين واقع الإنتاج السينمائي الفلسطيني اليوم؟ وما أبرز التحديات التي يواجهها صناع الأفلام؟
- ما حدث مع "فلسطين 36" يشغل ذهني ويثير تساؤلاتي: إلى متى سيظل هذا الوضع قائماً؟ حتى الأحلام التي نضعها لصناعة عمل فني، لم نعد متأكدين من قدرتنا على تحقيقها. أما على صعيد ميزانيات الأفلام، فالوضع مشابه؛ إذ يضطر صناع العمل إلى طرق الأبواب بحثاً عن تمويل. ففي أي دولة عربية، يستطيع المخرج اللجوء إلى جهة رسمية أو وزارة ثقافة للحصول على دعم. لكن في فلسطين، هذا الخيار غير موجود، فنضطر إلى طلب الدعم من هذا الطرف أو ذاك سواء أفراد أو مؤسسات، وإذا لم تتوافق أفكارك ومبادئك ورؤيتك مع الجهة التي تلجأ إليها، قد يتوقف كل شيء. وهذه واحدة من العقبات الكبرى التي تعيق الإنتاج الفني. إضافة إلى أن الدعم لا يُمنح لكل الفلسطينيين لانقسامهم إلى فصائل؛ إذ يمتد الانقسام إلى الوسط الفني أيضاً، حتى الفنانون أنفسهم فصائل. لدينا وزارة ثقافة في رام الله، لكنها لا تملك من الإمكانات ما يمنحونك إياه. لذلك نجد أنفسنا نقوم بما ينبغي لتلك المؤسسات الرسمية القيام به.

*في ظل هذه الصعوبات، كيف نجحت في صنع بصمتك في السينما العربية رغم العثرات الإنتاجية وحساسيات الانتماء سواء لتيارات أو دول؟
- إنها رحلة طويلة ومتعددة الهويات، وهو ما يستدعي أول تجربة عربية لي، وجاءت مع المخرج المغربي أحمد بولان في فيلم "علي ربيعة والآخرون"، حيث كنت أعيش في باريس منذ ثماني سنوات. ورغم عدم إتقاني اللهجة المغربية وضيق وقت التحضير، أصررت على إتقان اللهجة دون دبلجة، معتبرة أن ذلك تحدٍ أساسي.
ثم شاركت في فيلم "الحرير الأحمر" لرجاء العماري، وهو عمل نسائي جريء شكّل منعطفاً في مسيرتي. إذ تحتم علي الاختيار بين الاستمرار كممثلة أو الخضوع لضغوط العائلة والمجتمع بسبب جرأة دوري، فاخترت التمثيل رغم صعوبة القرار. وقلت لنفسي:"إذا أردتِ أن تُرضي عائلتك قد يطاردونك بقراراتهم، وإذا توقفتِ ستبقين أسيرة تلك القرارات و"عبدة" قراراتهم لا قرارات نفسك. وهذا الفيلم منحني مساحة الحرية التي احتجتها لأصبح الممثلة التي أحلم أن أكون.
* عملت مع كثير من المخرجين العرب والعالميين، من منهم حمل تأثيراً في تكوينك الفني؟
- عملت مع كثير من المخرجين الذين ألقوا بأثرهم في مسيرتي، أبرزهم يسري نصر الله، كونه أول مخرج مصري أعمل معه. إذ كان التعامل مع مخرج مصري بمثابة مكافأة كبيرة. عندما عرض عليّ دور "أم يونس" في فيلم "باب الشمس" الذي كتبه إلياس خوري عن نكبة 1948 وما سبقها وما بعدها،. حمل الفيلم أثرا عميقاً في حياتي، إذ شعرت بتطابق كبير بين الشخصية وقصة جدتي، أدركت حينها أن السينما ستجعلني قادرة على توثيق أحداث شخصية وإنسانية مهمة. وأنتج الفيلم أمبير بلزان، أحد أبرز المنتجين الذين ساعدوا السينما المصرية والعربية، وللأسف لا أعلم لماذا قرر إنهاء حياته وكان أمراً حزيناً للغاية.
هناك رجاء العماري، مخرجة فيلم "ساتان روج"، والذي منحني دفعة قوية في مسيرتي وصقلني كممثلة. كما عملت معها في ‘الجسد الغريب’، لتستمر مساهمتها في تكويني الفني. بجانب المخرجة اللبنانية ديما الحر عبر فيلم "كل يوم عيد"، والمخرجة اللبنانية دانيال عربيد في فيلم "المتمردات وحدهن"، وهو لم يُطرح بعد. إضافة إلى آن ماري جاسر في "فلسطين 36"، ونجوى نجار في "المر والرمان"، وشيرين دعيبس في فيلمين هما "مي في الصيف" و"أميركا"، كما شاركت في فيلم "باي باي طبريا" مع ابنتي المخرجة لينا سويلم، ما أضاف بعداً آخر لتجربتي الفنية.
وعلى الصعيد العالمي، حمل أكثر من مخرج تأثيراً كبير اًعلى مسيرتي، أبرزهم: توم مكارثي في فيلم "الزائر"، وأليخاندرو غونزاليس في "بابل"، حيث أشرفت على تدريب طاقم المغاربة نظراً لعدم تمكنه من التواصل المباشر معهم، إضافة إلى ستيفن سبيلبرغ، وريدلي سكوت، ودينيس فيلنوف. وفتحت مشاركتي في مسلسلي "رامي"، و"الإرث" الباب أمامي للمشاركة في الأعمال التلفزيونية الأميركية.

* كيف أثرت هويتك الفلسطينية على نوعية الأدوار التي تُعرض عليك، سواء إيجابيا أو سلبياً؟
- لا أعرف، لكن يمكنني الإجابة من منطلق أن هويتي الفلسطينية هي جزء لا يتجزأ من هويتي كإنسانة، ولا أستطيع فصلهما. وكل القيم التي أؤمن بها هي التي تحدد قدرتي على الاختيار: أن أقول نعم أو لا، أن أقبل الدور أو أرفضه. الأمر مرتبط بمدى قدرتي على تحمل مسؤولية الدور والرسالة التي يحملها. وأعتقد أن هذه أكثر إجابة صادقة يمكنني تقديمها.
* قدمت أعمال في هوليوود وأوروبا وأخرى عربية، ما الفارق الذي لمسته بين الشرق والغرب؟
- عندما اشارك في فيلم، لا أعقد مقارنة مباشرة بين هوليوود والعمل العربي. بالنسبة إليّ، الأمر يتعلق بالشروط المتوفرة للعمل. فالعمل في هوليوود أكثر راحة من ناحية توفر التمويل والإمكانات، وأدرك ذلك عند العمل في أعمال عربية، مثل مشاركتي في أفلام الأخوين طرزان وعرب ناصر الذين كان لهما تأثير كبير في حياتي الفنية، إذ عملت معهما في "غزة مونامور" و"ديغراديه" فكانت تُنتج من موارد محدودة للغاية، لذا لا يمكن مقارنتها مع هوليوود. قبلت العمل معهما لأن الدور أعجبني، وقصة الفيلم مهمة، وشعرت أن ثمة مساحة للإبداع معهما. فالأهم هو أن أبدأ العمل وينتهي ليشاهده العالم، بغض النظر عن مكان الإنتاج أو حجم الميزانية.
* خضتِ كلّ المجالات الفنية سواء التمثيل، والكتابة، والإخراج، ما الأقرب منها إليك؟
- لا أضع أفضليات بين هذه المجالات، سواء كنت ممثلة أو كاتبة أو مخرجة، فجميعها مكونات أساسية من شخصيتي، وإن كنت أركز على التمثيل، وحالياً أشعر أنه الأقرب؛ لأنه يشغل وقتي، ولدي مشاريع مستقبلية لا تتوقف، ومن الصعب أن أوقفها من أجل الكتابة أو الإخراج في هذه المرحلة. كما أن الكتابة تتطلب ذهناً صافياً، وليس مثقلاً بالانشغالات رغم حبي الكبير لها. ويأتي الإخراج بعد الكتابة، لكن إذا عُرض عليّ عمل مكتوب لإخراجه، أفكر في الأمر، لأنه سيستغرق مني وقتاً أقل من الكتابة من الصفر.
* عند التطرق إلى تاريخك في السينما الأوروبية وهوليوود، هل لمست تغيراً في نظرة الغرب تجاه الفنان الفلسطيني بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر؟
- لا أملك إجابة محددة، لكن ما أعرفه أن كثيراً من الممثلين حتى الأجانب، عبروا عن مواقفهم وتعرضوا لأحكام قاسية للغاية في هوليوود. لكنني لا أملك إجابة واضحة لما بعد 7 تشرين تحديداً، لكن جوابي يمتد لما قبل ذلك، بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر؛ إذ شهدنا حملة معينة، وشعرتُ بأن ثمة انفتاحاً نسبياً لدى بعض العقول على الإنسان العربي، رغبةً في التعرّف إليه وعدم الحكم عليه من منظورهم فقط. ظهرت حينها بعض القصص في الأفلام الهوليوودية تقدّم العربي بصورة مختلفة.
أما بالنسبة للفلسطيني تحديداً، فلا أملك إجابة دقيقة؛ فالأمر مسؤولية كبيرة ولا أستطيع إصدار حكم قاطع. لكن ما أعرفه أنني لم أواجه يوماً صعوبة من هذا المنطلق. لم أشعر يوماً بأن "من أنا" شكّل عائقاً أمام الخيارات المتاحة لي. منذ اللحظة الأولى دخلت كما "أنا"، وما زلت كما "أنا". ربما لأن شخصيتي تتوافق مع طبيعة الأدوار التي أقدّمها في هوليوود.
نبض