أم زكي وداعاً... هدى شعراوي التي خرجت من الحارة السورية إلى الذاكرة العربية
في الذاكرة الشعبية السورية، ثم العربية، ثمّة وجوه لا تحتاج إلى تعريف، ولا إلى مقدمات طويلة. وجوه تدخل البيوت بلا استئذان، تجلس بيننا، ترفع صوتها، تضحك، تعاتب، وتغضب… ثم تخرج وقد تركت خلفها أثراً يشبه العائلة. من بين هذه الوجوه، تبرز هدى شعراوي، المعروفة باسمها الذي صار أيقونة، "أم زكي".
رحلت "أم زكي" اليوم عن عالمنا، مقتولةً على يد خادمتها، وأفاد مصدر في نقابة الفنانين السوريين "النهار" بأنّ "أحفاد شعراوي عثروا على جثّتها صباح اليوم في منزلها بعد مقتلها على يد عاملة المنزل التي لاذت بالفرار، وسط حالة من الصدمة تعمّ العائلة والوسط الفني.
"أم زكي" وجه يشبه الحارة
لهدى شعراوي ملامح لا تُشبه نجمات الشاشات المصقولة. وجهها مرسوم للحكايا؛ قسماته تحمل خشونة الحياة، وتجاعيد التجربة، ودفء الأمومة الشعبية. عيناها قادرتان على التحوّل السريع، من الطيبة إل الغضب العاصف ثم الضحكة الصافية. وصوتها، ذلك الصوت العالي الواضح، إعلان حضور وسط الضجيج. صوت امرأة لا تقبل أن تُهمَّش.

بدأت شعراوي مسيرتها في أدوار ثانوية، لكنّها لم تكن يوماً هامشية في حضورها. كانت تعرف كيف تمنح الشخصية مساحة أكبر من المكتوب، وكيف تصقل التفاصيل الصغيرة وتُعزّزها لتُصبح علامات فارقة. وحين جاءت شخصية "أم زكي" في مسلسل "باب الخارة"، بدت كأنّها فُصّلت على قياسها، أو كأنها انتظرت طويلاً هذا الدور ليكشف كامل طاقتها.
ربما لم تكن "أم زكي" مثالاً للمرأة المثالية، إنّما امرأة صعبة، عنيدة، غاضبة أحياناً، ظالمة أحياناً أخرى. لكنها حقيقية. تشبه نساء الحارات اللواتي حملن البيوت على أكتافهن، وواجهن الفقر والخسارات، وحمين أبناءهن بقبضات قاسية وقلوب ليّنة. ولم تكتفِ "أم زكي" بأن تكون شخصية درامية، إنّما اضطلعت بدورٍ أساسي في ترسيخ المحبة بالبيئة الشامية لدى جمهور عربي واسع. من خلال تفاصيلها اليومية، ولهجتها، وعلاقتها بالحارة، قدّمت صورة حميمة عن دمشق القديمة، جعلت المشاهد يشعر أنه جزء من هذا العالم. أما أقوالها وجُملها الحادّة، فقد خرجت من الشاشة لتدخل القاموس اليومي، ولا تزال حتى اليوم تُتداول في الأحاديث والنكات والمقارنات، كدليل على حضورٍ تجاوز زمن العرض، واستقرّ في الذاكرة الشعبية.
امرأة من لحم وذاكرة
قوة هدى شعراوي لم تكن في المبالغة، بل في الإيمان الكامل بالشخصية. لم تؤدِّ "أم زكي" بوصفها كاريكاتيراً، بل كامرأة تعرفها جيداً: ربما جارة، أو قريبة، أو صورة من نساء كثيرات مررن في حياتها. لذلك صدّقها الناس. لذلك أحبوها وكرهوها في آن واحد، كما يُحب ويُكره الواقع نفسه.
تحوّلت الشخصية إلى مرآة اجتماعية: تفضح العنف اليومي، وتُظهر التسلّط باسم الحب، وتكشف هشاشة العلاقات خلف خطاب القوة. ومع ذلك، ظلّت "أم زكي" شخصية حيّة، لا تُختصر في حكم أخلاقي واحد.

إرث هدى شعراوي يُقاس بعمق الأثر لا بعدد الأعمال. هي من الممثلات اللواتي منحْن الدراما السورية وجهها الشعبي الصادق، بعيداً عن التجميل الزائف. أثبتت أنّ البطولة ليست في حجم الدور، بل في صدقه. وأنّ المرأة الشعبية ليست أقلّ قيمة درامية من أيّ شخصية "نخبوية" مكتوبة بعناية.
بقيت هدى شعراوي شاهدة على مرحلة، وعلى نمط نسائي حقيقي، لم يُصنَّع ليُرضي إنّما ليقول "هكذا كنّا، وهكذا نعيش". واليوم، حين تُذكر "أم زكي"، لا يُستحضر مشهد بعينه، إنّما إحساس كامل متكامل: ضجيج البيت، حرارة النقاش، رائحة القهوة، ونبرة امرأة تعرف أن الحياة لا تُؤخذ بالهمس. وهذا، في جوهره، هو سرّ هدى شعراوي... عاشت داخل الذاكرة، وصارت جزءاً من نسيجها.
"أم زكي"، هدى، السيدة القديرة، وجه من وجوه الزمن السوري، وصوت من أصواته العالية التي لا يمكن أبداً نسيانها أو تجاهلها.
نبض