رسالة إلى فينوس خوري غاتا، تلك "الهرّة المسترخية" (1937-2026)

ثقافة 29-01-2026 | 14:16

رسالة إلى فينوس خوري غاتا، تلك "الهرّة المسترخية" (1937-2026)

هل الموتى حقًّا ليس لهم ظلالٌ، على ما يقوله عنوان آخر من عناوينكِ التي تربو على الأربعين؟
رسالة إلى فينوس خوري غاتا، تلك "الهرّة المسترخية" (1937-2026)
فينوس خوري غاتا. (أرشيفية)
Smaller Bigger

أمضيتِ حياتكِ برمّتها، وأنتِ تسخرين من الموت. كنتِ تسخرين منه بألفة، بأبّهة، بمكر، بحنكة، بسلاسة، بصداقة، ولا أتردّد في أنْ أقول: وبحبٍّ أيضًا. إلى هذا الحدّ، كنتِ متآخيةً معه، وقريبةً منه، وملتصقةً به، وصديقةً له، وبراهينكِ ليست قليلةً، ولا مفتعلة، في هذا المجال.

هذا كلّه لم يتيسّر لكثيراتٍ وكثيرين من الناس والأدباء. في مقدور المرء، والحال هي هذه، أنْ يقول إنّك كنتِ محظوظة بما فيه الكفاية، في علاقتكِ بهذا الموت، الذي كان حياةً بكاملها، وعمرًا بكامله، لم تصرفيه في الرثاء والتحسّر واللّاجدوى. هو، من جهته، أي الموت، أنا واثقٌ أنّه كان يقدّر ما تتّصفين فيه من بلاغةٍ في تعاطيه، وممارسته، والتلاعب به، عارفًا في الوقت نفسه، كم كنتِ تخافينه. خوفكِ هو برهانٌ وقورٌ على مكانتكِ في مراودة هذا الموت، في الحياة وفي الأدب على السواء.

هذه الإشكاليّة المثيرة، رافقت مسيرتكِ الطويلة، عيشًا وكتابةً، منذ الطفولة والبيت الوالدي والكتابات الأولى، وصولًا إلى شتّى الحقبات والمراحل والتجارب في الحياة، طفلةً ومراهقةً وفتيّةً وامرأةً وزوجةً وأمًّا وأرملةً ومعتزلة ومستوحدة. وكم كان الأدب حاضرًا، والحياة الأدبيّة، شعرًا وروايةً، وما بينهما من كتاباتٍ وأساليب وفنون وترجمات وطرائق في التعبير متنوّعة ومختلفة.

خوفكِ من الموت، لم يكن ظاهرًا، بل كان خفيًّا، وذكيًّا. فقد كان المكر الأدبيّ هو حيلتكِ، وهو الحماية. فلم تحاولي أنْ تتملّقيه بخساسة، أو أنْ تهربي منه كما يفعل أهل الهشاشة مطلقًا. ولا كنتِ تتوجّسين من الطيش، أو سواه من فنون تبذير الزمن بأساليب الغواية والفتنة والنزق والمغامرة، ونقائضها على السواء. بل كنتِ منغمسةً فيها حتّى الثمالة. وهذا أدبٌ خالصٌ للغاية.

 

فينوس خوري غاتا. (أرشيفية)
فينوس خوري غاتا. (أرشيفية)

 

كنتِ امرأةً، وكنتِ أديبةً، في الآن نفسه، ومعًا. بما ينطوي عليهما المجالان من جحيمٍ وفردوسٍ ومطهر، وبما يحفلان به من قدراتٍ وطاقاتٍ وتجارب واحتمالات وآفاق، لم تغفلي عنها، بل هجمتِ عليها بما أوتيتِ. وما أوتيتيه، لم يكن قليلًا، ولا نافلًا، في الحياة وفي الأدب على السواء.

كانت حياتكِ وكتاباتكِ الشعريّة والروائيّة تدجينًا محنّكًا لهذا الموت، الذي هو – كما قلتُ – حياةٌ حقيقيّة وفعليّة، وليس محض تنظير. كيف؟ باختباره، والعيش فيه، ومخالطته، ومؤانسته، والسخريّة منه، وبتقريعه، والعبث به. وهذا هو التبذير الأنيق كلّه، في الحالتين، ويمثّل ذروة ما يستطيعه الإنسان، حيال هشاشة الكائن البشريّ.

أتذكّر طفولتكِ، والبيت الأول، والطبيعة الأولى، الآسرة والمهيبة، في بشرّي ولبنان وبيروت، وأتذكّر رعبكِ من الأب، كما أتذكّر موت شقيقكِ وحياته المؤلمة، وأنوثتكِ الطاغية، والجريئة، وخروجكِ البهيّ من الأفق الضيّق إلى الأفق الانسانيّ والثقافيّ الأوسع في باريس، والعالم.

هل كنتِ حقًّا "المرأة التي لم تعرف أنْ تحافظ على الرجال"، على ما يقوله عنوان أحد كتبكِ؟ لستُ أدري. ما أعرفه، انّكِ كنتِ تعرفين ما تعرفينه وما لا تعرفينه، وتبرعين فيهما، كما يُفترض بالمرأة الكاتبة أنْ تفعل.

هل الموتى حقًّا ليس لهم ظلالٌ، على ما يقوله عنوان آخر من عناوينكِ التي تربو على الأربعين؟ هل الموت هو بيتٌ، وهو البيت؟ والصخب، هل هو من أجل قمرٍ ميت؟ والحرب (اللبنانيّة) المتوحشّة، أهي حقًّا حنونة، وإلى الحدّ الذي لا يوصف؟ والشمس المتعثّرة، كم هي متعثّرة، وخصوصًا عندما أنتِ تكونين شمسها ومرآتها وحقيقتها وتخييلها؟ وتلك المرأة الزانية، هل رجمها بالحجارة السبعة إلّا فعلُ هجاءٍ للراجمين؟

في "كتاب التوسّلات"، ما كنتِ تتوسّلين، يا فينوس، بقدر ما كنتِ تتضرّعين. يا لجمال التضرّع الأدبيّ والإنسانيّ. ويا للأسى الذي فيه، وخصوصًا أنّكِ كنتِ تعترفين، وأنّ كتاباتكِ لم تكن رواياتٍ متوَهَّمة ومختلَقة، على رغم التخييل الذي فيها، بل كانت تسطيرًا لوقائع الألم والوجع، واعترافًا شعريًّا بهما!

أيّتها الهرّة المسترخية، ما كان أحسنكِ هرّةً متحفّزة، متوثّبة، متحدّية، غاوية، ومسترخية، بترف.

أعتقد أنّكِ، وأنتِ عاكفةٌ على حياة شخصياتكِ وبطلاتكِ وأبطالكِ، كنتِ في معنى ما، تكتبين ذاكرتكِ، وحياتكِ الشخصيّة، وحياة بلادكِ، وأهلكِ، وخلّانكِ، ومعارفكِ، ولبنانكِ.

أتذكّر "ما يتبقّى من البشر" Ce qui reste des Hommes وهي آخر رواية لكِ (2021، أكت سود)، مستدعيًا بشكل خاص مشهد بطلتكِ الطاعنة في السنّ، دايان (أهي أنتِ؟!)، داخل حانوت مخصّص لبيع التوابيت، ومستدعيًا في الآن نفسه ذلك المدفن الخاصّ المطلّ على حديقة بيت البطلة (أليس هو بيتكِ الباريسيّ؟!، تتأمّل (أو تتأمّلين) من خرومه المغلقة تلك السنوات التسع والثمانين التي أمضيتِها بأفراحها وتصاريفها، فيكون عنوان كتابكِ الشعريّ، Désarroi des âmes errantes الصادر في 2024 لدى "ميركور دو فرانس"، خير ما يمكن أنْ يصف القلق الفازع الذي يعتري الأرواح التائهة، بل روحكِ، ويكون عنوان كتابكِ الشعريّ الآخر وربّما الأخير Éloignez-vous de ma fenêtre (لدى ميركور دو فرانس) هو، كما الكتاب السالف الذكر، وصيّتكِ الأخيرة.

سلامي إليكِ، يا فينوس، وأنتم أيّها الناس، ابتعدوا عن نافذتها، نافذة تلك "الهرّة المسترخية"!

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 1/29/2026 3:45:00 PM
عودة إلى مسيرة هدى شعراوي، الممثلة السورية التي رحلت عن عالمنا اليوم مقتولةً، بعد أن دخلت الذاكرة الشعبية باسم "أم زكي".
سياسة 1/29/2026 10:35:00 AM
العسكريون المتقاعدون ينتظرون وعداً من سلام لرفع رواتبهم إلى 85 في المئة من قيمتها الفعلية للعام 2019 ويؤكدون أن التصعيد في مقابل عدم الاتفاق.
فن ومشاهير 1/29/2026 3:20:00 PM
شعراوي قُتلِت على يد عاملة المنزل التي لاذت بالفرار عقب الجريمة.
فن ومشاهير 1/29/2026 8:53:00 PM
ما إن فتح أحد الأحفاد الباب حتى شمّ رائحة حريق. دخل مسرعاً بدافع القلق، ليعثر على جدّته ممدّدة على سريرها...