وثائقي ميلانيا ترامب في مأزق جماهيري: مبيعات "ضعيفة" وجنوب أفريقيا تسحبه من الصالات
يفتتح الفيلم الوثائقي الجديد "ميلانيا" (Melania)، الذي تنتجه أمازون بلمسة درامية مصقولة، مسيرته وسط مفارقة لافتة: إطلاق دعائي صاخب يحظى بدعم رئاسي واضح، يقابله في الوقت نفسه ظهور مؤشرات مبكرة على فتور جماهيري في بعض الأسواق الأساسية.
في الولايات المتحدة، يُعرض الفيلم للمرة الأولى في 29 كانون الثاني/يناير ضمن فعالية بسجادة حمراء في مركز كينيدي، قبل انطلاقه تجارياً على نطاق واسع في صالات السينما يوم 30 من الشهر نفسه، بحسب وكالة "رويترز"، التي أفادت أيضاً بتنظيم عرض خاص في البيت الأبيض حضره أفراد من العائلة وحلفاء ومسؤولون تنفيذيون مرتبطون بالمشروع. وتصف إذاعة "NPR" هذه الاستراتيجية بأنّها "غير تقليدية إلى حدّ بعيد" بالنسبة لفيلم وثائقي، إذ يُطرح على نحو ألف و500 شاشة داخل الولايات المتحدة، مترافقاً مع حملة إعلانية كثيفة جعلت من الصعب تجاهل الإعلان الترويجي للفيلم.
مبيعات التذاكر "ضعيفة"
يراهن الوثائقي أساساً على عنصر "الوصول الحصري للمعلومات"، إذ يوثّق الأيام العشرين التي سبقت تنصيب دونالد ترامب لولاية رئاسية ثانية، واعداً بلقطات "نادرة من خلف الكواليس" مع السيدة الأولى، المعروفة عادةً بتحكّمها الصارم في صورتها العامة. ويتابع الفيلم ميلانيا ترامب وهي تستعدّ للعودة إلى البيت الأبيض، ضمن قالب بصري سينمائي مشحون، ويتضمّن أيضاً تلميحات منها إلى "اتّصالات خاصة" بينها وبين زوجها.

غير أن العناصر نفسها التي صُمّمت لإثارة الفضول، باتت تغذّي أيضاً قدراً كبيراً من الشك، وفي بعض الأماكن، ردود فعل رافضة وواضحة.
في المملكة المتحدة، قال الرئيس التنفيذي لسلسلة "ڤيو" السينمائية لصحيفة "الغارديان" إنّ مبيعات التذاكر جاءت "ضعيفة". وذكرت الصحيفة أنّه، في صالة "إزلنغتون" الرئيسية التابعة لـ"ڤيو" في لندن، لم يُبع سوى تذكرة واحدة لعرض بعد الظهر في يوم الافتتاح، عند الاطلاع على الحجوزات المسبقة. كما أوضحت "ڤيو" أنها تلقّت رسائل إلكترونية من زبائن ينتقدون قرار عرض الفيلم، مع تأكيدها في الوقت نفسه أنّها تعرض عادةً أيّ عمل يحصل على موافقة هيئة التصنيف البريطانية.
جنوب أفريقيا تسحب الفيلم
في موازاة ذلك، سُحب الفيلم من سلاسل سينمائية كبرى في جنوب أفريقيا قُبيل عرضه مباشرة. وأفاد تقرير وزّعته وكالة "فرانس برس" بأنّ الموزّع المحلي برّر القرار بـ"الظرف الراهن"، في ظلّ توتّر العلاقات بين واشنطن وبريتوريا، مشيراً إلى أنّ عنوان الفيلم لم يعد مدرجاً على مواقع الشبكتين السينمائيّتَين الرئيسيّتَين في البلاد.
تربط حكومة جنوب أفريقيا علاقات متوترة بإدارة ترامب، الذي انتقد مواقف بريتوريا في عدد من القضايا الداخلية والدولية. وبالإضافة إلى ما وصفته الإدارة الأميركية بـ"اضطهاد" لجماعة "الأفريكانر" - وهم أحفاد المستوطنين الأوروبيين الأوائل - وجّهت واشنطن انتقادات متكررة لجنوب أفريقيا بسبب تقاربها مع موسكو، وكذلك بسبب الدعوى التي رفعتها بتهمة "الإبادة الجماعية" أمام محكمة العدل الدولية ضدّ إسرائيل على خلفية حربها على غزة.

وتبدو عوامل عدّة وكأنها تتقاطع في هذا السياق: أولاً، ركود سوق العروض السينمائية للأفلام الوثائقية. تنقل "NPR" عن أستاذ الصحافة في جامعة كاليفورنيا - بيركلي، والمدير التنفيذي السابق في مجال الوثائقيات، جيسون سبينغارن-كوف، قوله إنّ حتى الأفلام الوثائقية الحائزة استحسان النقّاد باتت تجد صعوبة في الحصول على توزيع سينمائي واسع، ما يجعل حجم طرح "ميلانيا" أمراً يصعب تبريره.
ثانياً، أزمة ثقة. تشير" NPR" إلى أنّ أمازون لم تزوّد النقّاد بنسخة مسبقة من الفيلم "كما جرت العادة"، وأنّ بعض العروض المقررة أُلغيت مع تراجع المبيعات وتحوّل الفيلم إلى مادة للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي. كما أنّ مشاركة ميلانيا ترامب نفسها كمنتجة تنفيذية تثير تساؤلات إضافية، إذ يشبّه سبينغارن-كوف هذا النموذج بالعلاقات العامة أو «"صناعة الأسطورة" حين يكون للشخصية محور الفيلم تأثير تحريري مباشر.
وأخيراً، الاستقطاب والجدل المحيطان بالمشروع. تضع "الغارديان" صدور الفيلم في إطار "استفتاء نادر في شباك التذاكر"، مسلّطة الضوء على أسئلة تتعلق بتمويل العمل، وباختيار المخرج بريت راتنر، وهو مخرج تجاري لطالما لاحقت سمعته اتهامات بسوء السلوك في الماضي، ينفيها هو.
بالنسبة إلى أمازون، يبدو "ميلانيا" مشروعاً صُمّم ليكون حدثاً، إذ يُشكّل بورتريهاً سينمائياً جماهيرياً لشخصية سياسية غالباً ما أحاطت نفسها بالغموض. غير أنّ المؤشرات الأولى توحي بأنّ التحدي الأكبر قد لا يكون في حجم الإطلاق، إنّما في إقناع الجمهور بأنّ الفيلم يستحق شراء تذكرة لمشاهدته، لا مجرد عرض استعراضي قريب من الدعاية الانتخابية، مكانه الطبيعي شاشة منصة بث، أو ربما لا مكان له على الإطلاق.
نبض