عن يوسف شاهين ومئويّته في السينما والحياة

ثقافة 28-01-2026 | 17:27

عن يوسف شاهين ومئويّته في السينما والحياة

"أنا ضدّ استغلال الدين في الترهيب... لا يهمّني إلّا الإنسان".
عن يوسف شاهين ومئويّته في السينما والحياة
يوسف شاهين. (أرشيفية)
Smaller Bigger

ما أجمل تلك المُصادفات التي جمعتني بالمخرج المصري العالمي يوسف شاهين، المولود في السادس والعشرين من كانون الثاني/يناير، عام 1926 في مدينة الإسكندرية من أسرة متوسطة، لأبٍ يعمل بالمحاماة،  وأمِّ تأمَلُ في سفر ابنها المهووس بالسينما والصورة وعوالم الإيقاع البصري.

ذهبَ شاهين لدراسة فن الإخراج السينمائي في معهد "باسادينا بلاي هاوس" في كاليفورنيا عام 1946، بعد تَخَرُّجِ من كلية "فيكتوريا كوليدج" في مدينته الكوزموبوليتانية، ليعود إلى القاهرة حاملاً الكثير من الآمال في طرح همومه وقضاياه الشائكة التي دافع فيها باستماتة، وعن ثالوث الحرية، المساواة في الإنسانية.

بدايةً من معرفتي به في عام 1990، حيث اللقاء الأول في مكتبه بالقاهرة، شارع "شامبليون"، البناية رقم 35، بدأ اللقاء ثنائيّاً بيني وبينه، ثم انضمّ إلى الجلسة المخرج يسري نصر الله والممثلة يسرا، بالإضافة إلى الناقد السينمائي سمير فريد المعروف بمشاكسَتِه شاهين، تَحَدَّثَ فريد بمحبَّة عن ذكريات "جو" مع فيلمه "إسكندرية ليه" الأكثر إشكاليَّة في تَعَرُّضِه للهويَّة وضرورة التسامح.

انتشَي فريد بحميميَّة اللقاء فصرخَ في وجه شاهين: "أنت زغرَدْتَ وأنصفت اليهودي واليهودية من خلال بطل فيلمك"، فصرخ شاهين في وجهه بغضب، وطالَبَه بالصمت، بل ومغادَرَة المكتب، وبكى، وحَلَّ الصمت على الجميع، فقام فريد ليحضنه وقال: "احكِ لنا يا جو كيف كانت مصر عقب الحرب العالمية الثانية، وكيف كان العالم"، فرَدَّ شاهين بحزن: "أنا ضدّ استغلال الدين في الترهيب، ولن يحيا العالم في سلام وأمان طالما هناك ناس يستغلون الدين في قتل الخصوم. لا يهمّني إلّا الإنسان؛ لا تهمّني الديانات ولا الهويّات، بل العدل والحرية والإخاء، وأرى كلّ هذا ثوابت أو عتبات أسَّسَتْ لمبادئي وقناعاتي ودفعتني لعالم السينما، فالبشر أمام الله/الرب/العيش، أسوياء". وسيوضح سمير فريد موقفه من استفزاز شاهين قائلاً: "أنت حبيبي يا جو، وأنا لا أقصد بكلامي إلّا مداعبتك واستفزازك لتتحدَّث".

 

يوسف شاهين. (أرشيفية)
يوسف شاهين. (أرشيفية)

 

في موقفٍ آخر له علاقة بفيلم "إسكندرية ليه"، وهو الفليم الذي حاز عنه شاهين جائزة "الدُبّ الفضة" من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يومها بكى شاهين، وقال: "أنا لا أكتب ولا أُخْرِج إلّا ما أؤمن به، وأعتقد أنني قدَّمْتُ أبطالي هكذا، من دون مزايدة".

يوسف شاهين - أو جو كما كان يحب أن يناديه محبُّوه ومريدوه وعشّاق فنه - عُرِفَت عنه الطِّيِبة والبصيرة، وأيضاً دوام المناطحة الفنيَّة من فيلم لآخر، حتى فيلمه الأخير "هي فوضى"، والذي كان مُحَرِّضاً على احتشاد الجماهير لمشاهدته، حيث حمل الفيلم نبوءة مُسْتَبْصِرة لما آلَت إليه أحوال السياسة ونظام الحكم في مصر، لتأتي ثورة يناير - أو ثورة الغضب - في العام 2011، والتي ساهم "هي فوضى" في شَحْذ الهِمَم لها، وتجليات الغضب في الشارع المصري.

قدَّمَ شاهين للسينما المصرية والعربية أكثر من  أربعين فيلماً روائيّاً طويلاً بخلاف الأفلام الروائية القصيرة، ومنها: "ابن النيل"، "بابا أمين"، "باب الحديد"، "فجر يوم جديد"، "الناصر صلاح الدين"، "انت حبيبي"، "الأرض"، "عودة الإبن الضّال"، "الاختيار"، "إسكندرية ليه"، "إسكندرية كمان وكمان"، "اليوم السادس"، "المهاجر"، "إسكندرية نيويورك"، "سكوت هنصوَّر، "هي فوضى". هذا بالإضافة إلى فيلمه الروائي القصير "القاهرة منوَّرَة بأهلها" والذي جلب له الكثير من المشاكل، فقد اتَّهَمَتْه النخبة المثقفة في مصر بأنه "ينشر غسيلنا الوسخ في مصر"، من خلال بطل شارد يبحث عن وجوده وهويته في شوارع وسط البلد بالقاهرة، وكان الفيلم قد عُرِضَ بقسم "نظرة ما" في مهرجان كانّ السينمائي.

دُعي شاهين للدفاع عن فيلمه ونفسه بشكل شخصي في نقابة الصحافيّين في القاهرة، وحضر "المحاكمة"، أكثر من أربعة آلاف مشاهد في جلسة علنيَّة. وكان أن تسلِّلَ شاهين ومعه ابنة أخته المنتجة غابي خوري، من الأبواب الخلفية خوفاً من الاعتداء الجسدي أو اللفظي.

صرخ شاهين وبكى وسط حشود الحضور وردَّد: "لست هنا للدفاع إلا عن وطنيَّتي وأفكاري ومعتقداتي، ولم أُقدِّم في فيلمي إلّا ما أملاه عليّ ضميري الإنساني والفني"، وقد ألْهَبَت كلماته الحضور، خاصةً بعد بكائه، فبادره أغلب الحضور بالتصفيق والالتفاف حوله في حالة من التعاطف والمساندة، لينتصر الفيلم ومُخْرِجُه لحرية الفكر والمُعْتَقَد والرأي، وضمير الفنان.

 

يوسف شاهين ويسرا. (سوشيال ميديا)
يوسف شاهين ويسرا. (سوشيال ميديا)

 

في فيلمه "الاختيار"، الذي كتبه نجيب محفوظ، وضَعَ وأديب نوبل الإنسان/الفنان في مواجهةٍ مع نفسه، وهي الآليَّة والأداة والتيمة التي تَعَمَّدَها في مُصارحاتِه مع جماهيره منذ أول أفلامه "ابن النيل".

حصل شاهين على الكثير من الجوائز العالمية والعربية عن أفلام عدَّة، منها "الاختيار"، في العام 1974، والذي تنبّأ فيه بالقطيعة العربية لمصر عقب "كامب ديفيد". وقد كُرّم في العام 1997، من قِبَل مهرجان كانّ بجائزة "اليوبيل الذهبي" عن مُجْمَل أعماله، بالإضافه إلى نَيله الكثير من الجوائز العالمية والعربية من قبل مهرجانات قرطاج، دمشق، موسكو، فالينسيا، وسواها، لتَحْضُر أفلامه بقوة في موسوعة أفضل الأفلام المصرية والعربية، بإدراج أكثر من عشرة أفلام.

يُعدّ شاهين ضمن أهم مئة شخصية سينمائية على مستوى العالم. تُوفي عن اثنين وثمانين عاماً، تاركاً إرثاً ضخماً ومتنوعاً من شرائطه السينمائية، التي أثْرَت الشاشة المصرية والعربية، بل والعالمية.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/25/2026 6:00:00 PM
مقتل المحامية الشابة زينة المجالي متأثرة بإصابات خطيرة تعرّضت لها داخل منزل العائلة في العاصمة عمّان.
اقتصاد وأعمال 1/26/2026 5:43:00 AM
قانون الإيجارات لا يجوز تطبيقه جزئيا، "لأنه قائم في أساسه على وجود اللجان والصندوق
اقتصاد وأعمال 1/27/2026 3:23:00 PM
برنامج يهدف إلى توفير الحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة، وتعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء والشباب والفئات الأكثر احتياجاً، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، وتسريع وتيرة رقمنة الخدمات العامة الرئيسية.
لبنان 1/27/2026 8:59:00 AM
من المرتقب أن يبدأ الدفاع المدني اليوم باستعمال آليات لرفع الانقاض