"المنبّهات السبعة"... نتفلكس تستعيد أجواء أغاثا كريستي بثلاث حلقات
لطالما شكّلت أغاثا كريستي محرّكاً معتمداً لأعمال الغموض على الشاشة، لكن مسلسل نتفلكس الجديد "أغاثا كريستي: المنبهات السبعة" (Agatha Christie’s Seven Dials) يأتي هذه المرة بطرحٍ عصري واضح يتماشى مع منطق البثّ الرقمي: تجربة مشاهدة سريعة من ثلاث حلقات، تتعامل مع لغز بيتٍ ريفيٍّ في عشرينيات القرن الماضي بوصفه متعة مريحة للمشاهدة، وفي الوقت نفسه نواة محتملة لسلسلة مستقبلية.
المسلسل القصير مقتبس من رواية كريستي الصادرة عام 1929 "لغز المنبهات السبعة"، ويتمحور حول الليدي إيلين "باندل" برِنت، الشابة الأرستقراطية التي تتحول إلى محققة هاوية بعد أن يعكّر موتٌ غامض صفوَ تجمعٍ فاخر في أحد القصور الريفية.
زخم جماهيري وأرقام لافتة
تقدّم منصة البث العمل على أنه يحمل "أجواء الغموض الكلاسيكي" بإيقاع معاصر. وفي تقاريرها الخاصة بقائمة الأعمال العشرة الأكثر مشاهدة، أعلنت نتفلكس أنّ المسلسل قفز سريعاً إلى المركز الثاني محققاً 9,9 ملايين مشاهدة، في إشارة واضحة إلى نوع الزخم المبكر الذي توليه المنصة أهمية خاصة: علامة أدبية معروفة، فكرة سردية مباشرة، ومدّة عرض قصيرة تخفف عتبة الدخول أمام المشاهد.

أما الإشراف الإبداعي، فيشكّل بدوره جزءاً أساسياً من الرهان. فالمسلسل من ابتكار كريس تشيبنال، صاحب خبرة راسخة في سرديات الجريمة والأعمال المتسلسلة، فيما تقدّم تغطية نتفلكس عبر منصة "Tudum" هذا الاقتباس بوصفه "قراءة جديدة" تحافظ على تقاليد كريستي - الأسرار، ودائرة المشتبه فيهم، والإحساس الدائم بالتضليل - مع منح شخصية باندل محرّكاً سردياً أكثر حسماً. ويعكس طاقم التمثيل هذا التوجّه، إذ تتصدّر ميا ماكينا-بروس الدور الرئيسي، إلى جانب مجموعة من الأسماء ذات الثقل، من بينهم هيلينا بونهام كارتر، ومارتن فريمان، وإدوارد بلوميل.
مشاهدة "إدمانية"
على مستوى التلقي النقدي، تعاملت الأوساط الصناعية مع "المنبهات السبعة" بوصفه عملاً "مُغرياً للمشاهدة المتواصلة": أنيقاً، مدفوعاً بالنجوم، ومصمّماً للحفاظ على الزخم، لا للاسترسال البطيء الذي يميّز المسلسلات التقليدية الطويلة. وقد شدّدت صحيفة "فايننشال تايمز" على متعة مشاهدة طاقم تمثيلي رفيع ضمن قالب غموض محكم، وهو توجّه ينسجم مع الطريقة التي باتت بها منصات البث "تُحوّل" الكلاسيكيات إلى أحداث: لا كقطع متحفية، بل كترفيه سريع الإيقاع، اجتماعي الطابع، وقائم على نهايات مشوّقة.
ويتجلّى هذا الخيار بوضوح في كيفية إعادة تشكيل النص الأصلي لكريستي. فالتعليقات التي رافقت الحلقة الأخيرة تؤكّد أنّ المسلسل ينحرف عن الرواية في نقاط لافتة، من خلال إعادة ضبط علاقات الشخصيات وتقليص الخاتمة الرومانسية، لصالح استقلالية باندل ودينامية حركتها إلى الأمام. والنتيجة خاتمة تؤدي دورين في آن: إغلاق السرد، وفتح أفق جديد، عبر التلميح إلى منظمة "المنبهات السبعة" الغامضة، بما يوحي بمغامرات مقبلة من دون فرضها.

بالنسبة إلى نتفلكس، يمثّل هذا الخيار النقطة الاستراتيجية المثلى: مسلسل قصير مُرضٍ بثلاث حلقات، مع إبقاء الباب موارباً في حال برّرت رغبة الجمهور التوسّع. وتسوّق المنصة "المنبهات السبعة" كعمل محدود، بينما البنية السردية، والعالم الأوسع لشخصيات كريستي، يتيحان مرونة مستقبلية.
بعبارة أخرى، لا يقتصر المسلسل على كونه اقتباساً جديداً لأعمال كريستي، بل يشكّل اختباراً من نتفلكس لكيفية تحديث لغز كلاسيكي عريق ضمن قالب ملائم للبثّ الرقمي: سريع، لامع، ومصمّم لإبقاء المشاهد متعطّشاً للحلقة التالية.
نبض