من لعبة طفلة إلى مليون دولار: رحلة زبير الجلاصي مع "ليلي"

ثقافة 22-01-2026 | 08:57

من لعبة طفلة إلى مليون دولار: رحلة زبير الجلاصي مع "ليلي"

"ليلي" يفوز بالمليون في دبي… فيلم تونسي يولد من الذاكرة والوجع.
من لعبة طفلة إلى مليون دولار: رحلة زبير الجلاصي مع "ليلي"
لطيفة بنت محمد خلال تكريم المخرج زبير الجلاصي
Smaller Bigger

من لعبة صغيرة في يد ابنته، وُلدت فكرة كبيرة. هكذا استلهم المخرج التونسي زبير الجلاصي فيلمه القصير المولَّد بالذكاء الاصطناعي "ليلي". لعبة تعيش في داخل البيت، تراقب تفاصيل الحياة اليومية، تحفظ الأسرار والضحكات، وترى أصحابها كما هم… بلا أقنعة ولا فلاتر. فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت الشرارة التي حوّلها الجلاصي إلى عمل متكامل؛ كتب قصته، وصمّم عالمه، وأبدع في تنفيذ رؤيته، ليحصد ثمرة ذلك مليون دولار؛ هي الجائزة الكبرى لقمّة المليار في نسختها الرابعة التي أُقيمت في دبي. مدينة باتت اليوم حاضنة فكرية عابرة للحدود، تُطلق العنان لأحلام المبدعين العرب بلا سقف للطموح.

ولم يقتصر الإنجاز على الجائزة فقط، بل تم تكريم الجلاصي شخصياً من قبل سموّ الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، تقديرًا لمساهمته في إثراء المشهد الثقافي والإبداعي

هذا التكريم لم يكن وليد الصدفة. فالجلاصي يملك مسيرة مهنية تمتدّ لأكثر من عشرين عاماً في مجال تصميم الغرافيك، قبل أن يشكّل دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الإبداع نقطة تحوّل حاسمة في تجربته الفنية. في هذه التقنية، وجد أداة جديدة للسرد البصريّ، ووسيلة لكسر حدود المستحيل. ولم يكن "ليلي" تجربته الأولى، إذ سبقه فيلم A Breath Apart، الذي حصد عشر جوائز عالمية في دول عدة، من بينها الولايات المتحدة ونيجيريا والبرازيل والجزائر وتركيا.

ملصق فيلم
ملصق فيلم

لكن "ليلي" حمل هذه المرة شحنة شعورية مختلفة. يقول الجلاصي لـ"النهار" في البداية، كنت أظن أنني أصنع فيلماً عن الذكاء الاصطناعي والذاكرة، ثم مع توالي المشاهد، أدركت أن شخصية الأرشيفي ليست مجرّد خيال، بل مرآة لمخاوفي الأبوية العميقة". ويضيف: "اللحظة التي يحاول فيها الأرشيفي حماية "ليلي" من التلاشي والنسيان، شعرت بأنها لحظتي أنا. كانت تلك المشاهد تعبيراً عن رغبتي الدفينة في ترك أثر لبناتي، وفي حمايتهن من قسوة الزمن". عندها، وفق ما يصف، تحوّل الفيلم من قصة تقنية إلى رسالة حب ومقاومة ضد الفناء.

تتعمّق هذه القراءة الإنسانية حين نعود إلى عام 2020، العام الذي واجه فيه الجلاصي واحدة من أصعب محطات حياته بعد إصابته بمرض السرطان. من سرير المستشفى، وبين جلسات العلاج، واصل العمل متحدّيًا الألم والإرهاق. وعن تلك المرحلة، يقول: "المرض معلّم قاسٍ، لكنه صادق؛ فهو يعيد ترتيب الأولويات بوضوح تام". ويكمل: "لم يعد الوقت بالنسبة لي مجرد ساعات تمر، بل مادة ثمينة لا تقبل الهدر. أصبحت أبحث عن المعنى قبل الصورة. لم أعد منجذبًا إلى القصص التي تهدف للإبهار البصري فقط، بل للحكايات التي تلمس الروح وتطرح أسئلة وجودية عن الإنسانية والبقاء".

كواليس فيلم  ليلي (انستغرام)
كواليس فيلم ليلي (انستغرام)

وسط هذه التجربة القاسية، تحوّل العمل على "ليلي" إلى طاقة للاستمرار. يقول الجلاصي لـ"النهار": "كان الفن دوائي. في لحظات التعب الجسدي أو الإحباط، كان الغوص في عالم "ليلي" هو المهرب والشفاء". ويتابع: "كانت هناك رغبة ملحّة في تحويل الألم إلى أمل، والقبح إلى جمال. ما كان يدفعني هو التحدّي الداخليّ؛ أن أثبت لنفسي أولًا أن الإبداع لا يعيقه شيء، وأننا قادرون على تطويع أبرد التقنيات، كالذكاء الاصطناعي، لنسج أكثر القصص دفئًا وإنسانية".
على المستوى التنافسي، نافس فيلم "ليلي" اثني عشر عملًا ضمن القائمة النهائية، التي اختيرت من بين نحو 3500 فيلم تقدّم بها صناع محتوى ومخرجون من 116 دولة، في مسابقة نُظّمت بالتعاون مع Google Gemini.

كواليس فيلم  ليلي (انستغرام)
كواليس فيلم ليلي (انستغرام)


عن لحظة الفوز، يقول الجلاصي: "أن يخرج فيلم من تونس بإمكانيات ذاتية ورؤية صادقة، لينافس ويتوّج في محفل عالمي ضخم في دبي، فهذا انتصار لكلّ مبدع تونسي وعربي".

يضيف: "الجائزة بالنسبة لي ليست مجرد تكريم مادي، بل اعتراف بأن صوتنا مسموع، وأن رؤيتنا صالحة للمستقبل. تلقيت الخبر بدموع الفرح، وشعرت بأن كل التعب والسهر، وكل تحديات المرض، تُوّجت بلحظة إنصاف إلهية".

وعندما سُئل عن كلمة واحدة تختصر رحلة "ليلي" الإنسانية، كانت إجابته مختصرة، لكنها محمّلة بكل ما سبقها من ألم وأمل: "الانبعاث".

العلامات الدالة