.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
داخل جدران السينماتك الفرنسية (معبد السينيفيليين)، لا يبدو معرض أورسون ولز، مجرد استعادة لمسيرة فنّان عظيم (1915 - 1985) خاض ثورة على مستوى الشاشة. المعرض المخصص لهذا العملاق بدا لي محاولة جديدة لفهم ظاهرة نادرة من خلال تفكيك مفاصل سيرة مبدع عاش حياته كلها في حالة استثناء دائم محدثاً قطيعة مع كلّ ما هو تقليدي.
المعرض الذي استمر نحو أربعة أشهر، لا يقدّم ولز كمخرج "المواطن كاين"، ولا حتى كـ"العبقري الذي أُسيء فهمه"، مقارباً إياه من خلال كونه منظومة كاملة من التناقضات تعبّر عن روح الصراع ضد الوصاية المفروضة على الفنّ. كان ولز فنّاناً كلاسيكياً وانقلابياً في آن واحد، مثقّفاً نخبوياً لم يتوانَ عن الاستلهام من التراث الشعبي، أميراً مدلّلاً في مطلع تجربته ومنفياً دائماً في آخر حياته.
منذ لحظة دخولنا المعرض، يُقترَح علينا كطفل معجزة، تَشكَّل وعيه في فضاء فنّي حر، بين شيكاغو الصاخبة ثقافياً ومدرسة "تود سكول للصبيان" التقدّمية، حيث تلاقى الفنّ بالتربية، والمسرح بالحياة اليومية. هذه البيئة غير التقليدية، التي شجّعت التجريب والاستقلالية، ستنعكس لاحقاً في رفضه الدائم للقوالب والأفكار الجاهزة. يظهر المعرض كيف تشكّل كممثّل ومخرج في آن واحد منذ طفولته. لم يكن المسرح بالنسبة له مرحلة انتقالية نحو السينما. عاش الخشبة بكلّ هواجسها وتجاوزها للواقع، فأصبحت له مختبراً أولياً لصناعة الأشكال، وامتحان السلطة، والتلاعب بالزمن والشخصيات.
يُقال ان ولز "تهرب" من منحة دراسية في جامعة هارفارد مفضّلاً عليها رحلة استكشافية إلى أوروبا. بعد وفاة والده، تمكّن من إقناع وصيه بالسماح له بالرحيل. بدأت الأوديسا التأسيسية في إيرلندا، حيث تنقّل على ظهر حمار يجرّ عربة، مصطحباً أدواته كرسّام، قبل أن تبلغ ذروتها عند محطّة مفصلية: مسرح "غايت" في دبلن. وبعدما جرّب حظّه في لندن، انخرط في إسبانيا (قبل وصول فرنكو إلى الحكم) ضمن مغامرات ستتحوّل لاحقاً إلى ما يُعرف بـ"أساطير ولزية“.
من المسرح إلى الإذاعة، انتقل ولز بسرعة مذهلة. على موجات الراديو، صنع شهرته الوطنية من خلال "مسرح ميركوري على الهواء" واقتباسه السمعي لكلاسيكيات مثل "البؤساء" لفيكتور هوغو، وبلغ ذروة تجربته تلك في خدعة "حرب العوالم" لجي ولز، عام 1938، الدراما الاذاعية التي كان يستمع اليها ستّة ملايين شخص، وأحدثت حينها ذعراً حقيقياً يوم بُثَّت على محطّة "سي بي أس“.
هوليوود، في طبيعة الحال، لم تستطع تجاهل هذه الظاهرة. هكذا وصل ولز إلى عاصمة السينما الأميركية محاطاً بهالة أسطورية، ليحصل من استوديو "أر كا أو" على عقد لم يحصل عليه أي مخرج مبتدئ قبله: حرية شاملة! فكان "المواطن كاين" (1941)، الذي حمل لعقود طويلة صفة "أعظم فيلم في التاريخ" وتصدّر لوائح النقّاد. تقف هذه الرائعة السينمائية في قلب المعرض كقطعة مركزية ذات تأثير بلا حدود. كان ولز في الرابعة والعشرين عندما تولّى إنجاز هذا العمل الذي أعاد تعريف السرد السينمائي، اللقطة، حركات الكاميرا المعقّدة، العمق البصري، اللعب بخيوط الزمن، وذلك من خلال زوايا مستحدثة غير مسبوقة، ونصّ أيقوني، وكاراكتير يحمل العديد من التناقضات، وسيناريو على شكل تحقيق استقصائي.
بعد "المواطن كاين"، بدأ السقوط البطيء لولز، وهو الشيء الذي نتلمّسه في المعرض بشيء من الميلانكوليا والحنين. "عائلة أمبرسون الأجلاء"، فيلمه الثاني، المقتبس من أدب بوث تاركينغتون، يحمل كلّ أعراض الانتكاسة التي كان لا بد منها لتعزيز اسطورته كـ"سينمائي ملعون": عمل حميمي، شخصي، اقتُطِع منه وشُوِّه على يد استوديو "أر كا أو"، ليصبح أحد أشهر الأفلام المبتورة في التاريخ. الفيلم الذي رغم كلّ ما أحيط به من اقتصاص حمل لمسات مخرجه الشهيرة، أغلق نهائياً باب الحلم الهوليوودي، مفتتحاً مرحلة المنفى. هذه المرحلة عنونها المعرض (الغني صوراً وتعليقات وسيناريوات ومخطوطات وقصاصات صحف) بـ"بداية المتاعب"، فنعلم مثلاً انه كان تحت مراقبة مكتب التحقيقات الفيديرالي الذي اعتبره متعاطفاً مع الشيوعية.
كلّ مَن يعرف سينما ولز جيداً، لا بد ان يكون استوقفه مشهد المرايا الختامي في "لايدي من شانغهاي" الذي أعاد المعرض تقديمه. مع هذا الفيلم، أراد ولز استعادة مفردات "الفيلم النوار"، الذي راج في هوليوود بعد نجاح "غيلدا" مع ريتّا هايوورث.
القسم "الأوروبي" من المعرض يأتي بايقاع مختلف. ولز المنفي، الذي غادر الولايات المتحدة عام 1947 بعد سلسلة خيبات، أعاد اختراع نفسه في قارة أخرى (أوروبا)، وهذه حكاية متشعّبة قد تكون وحدها مادة دراسة. العودة الخاطفة إلى هوليوود مع "لمسة شر" عام 1958 نتلقّاها في المعرض كانتصار أخير. المشهد الافتتاحي الأسطوري بلقطة واحدة طويلة، يختصر هوس ولز بالزمن المتواصل والفضاء المفتوح. هذه العودة تحقّقت بفضل تشارلتون هيستون، النجم الصاعد آنذاك الذي اشترط أن يتولّى ولز الإخراج، فتحوّل المشروع إلى أحد أعظم ما قدمّه المعلّم.
لم يتوقّف ولز عن إعادة اختراع نفسه بأشكال جديدة، وفي هذا الجانب نجد عبقرية وتجاوزاً من نوع آخر. من "موبي ديك" إلى "دون كيشوت"، لا يُحصى عدد المشاريع التي حلم بها ولم تجد طريقها إلى الإنجاز، فضلاً عن تلك التي استهلّها وتركها غير منتهية. والحياة رغم ما نعمت عليه من جمال وذكاء وقدرات خارقة، لم تمهله، اذ مات وهو في السبعين.
في النهاية، لا يخرج الزائر من معرض ولز بإجابات واضحة وصريحة عمّا كان عليه أحد أروع الفنّانين في القرن العشرين. يغادره بإحساس طاغ بأن هذا الرجل خاض معارك مفتوحة بين الفنّ من جهة ومتطلّبات السوق من جهة أخرى، بين الحرية والثمن الذي كان مطلوباً منه ان يدفعه للحصول على الاستقلالية التي لطالما حارب من أجلها. من خلال جولة على نصف قرن من شد الحبال بين الفنّ والسلطة، نتلّمس الخطاب غير المنطوق لهذا المعرض. وقد يكون لهذا السبب تحديداً ان حضوره لا يزال مربكاً حيّاً وماثلاً في الوجدان. فهذا الخصام الثلاثي بين مَن يقترح ومَن يتلقّى ومَن يرعى، سيبقى قائماً ما دام هناك ما يسمّى فنّاً.