أورسون ولز.
داخل جدران السينماتك الفرنسية (معبد السينيفيليين)، لا يبدو معرض أورسون ولز، مجرد استعادة لمسيرة فنّان عظيم (1915 - 1985) خاض ثورة على مستوى الشاشة. المعرض المخصص لهذا العملاق بدا لي محاولة جديدة لفهم ظاهرة نادرة من خلال تفكيك مفاصل سيرة مبدع عاش حياته كلها في حالة استثناء دائم محدثاً قطيعة مع كلّ ما هو تقليدي. المعرض الذي استمر نحو أربعة أشهر، لا يقدّم ولز كمخرج "المواطن كاين"، ولا حتى كـ"العبقري الذي أُسيء فهمه"، مقارباً إياه من خلال كونه منظومة كاملة من التناقضات تعبّر عن روح الصراع ضد الوصاية المفروضة على الفنّ. كان ولز فنّاناً كلاسيكياً وانقلابياً في آن واحد، مثقّفاً نخبوياً لم يتوانَ عن الاستلهام من التراث الشعبي، أميراً مدلّلاً في مطلع تجربته ومنفياً دائماً في آخر حياته.منذ لحظة دخولنا المعرض، يُقترَح علينا كطفل معجزة، تَشكَّل وعيه في فضاء فنّي حر، بين شيكاغو الصاخبة ثقافياً ومدرسة "تود سكول للصبيان" التقدّمية، حيث تلاقى الفنّ بالتربية، والمسرح بالحياة اليومية. هذه البيئة غير التقليدية، التي شجّعت التجريب والاستقلالية، ستنعكس لاحقاً في رفضه الدائم للقوالب والأفكار الجاهزة. يظهر المعرض كيف تشكّل كممثّل ومخرج في آن واحد منذ طفولته. لم يكن المسرح بالنسبة له مرحلة انتقالية نحو السينما. عاش الخشبة بكلّ هواجسها وتجاوزها للواقع، فأصبحت له مختبراً أولياً لصناعة الأشكال، وامتحان السلطة، والتلاعب بالزمن ...