هدى العطاس: المرأة العربية تنتحل الذكورة لتصير مثقفة
جوسلين الراعي حاتم
صدر للأديبة والباحثة اليمنية هدى العطاس عن "دار رياض الريس" ببيروت مطلع هذا العام (2026)، كتاب "المرأة المثقفة في الرواية العربية - انتحال الذكورة وتحرير الجسد"، بطبعة أنيقة وغلاف مميز عليه لوحة لفنان الحروفية العربية سمير الصايغ.
يتضمن الكتاب 7 فصول وخلاصة ختامية، ولائحة دسمة من المصادر والمراجع. وصدّرته الباحثة بمقدمة تروي فيها شهادة شخصية على صلة وثيقة بموضوع البحث، لكنها سردية في أسلوبها. فالعطاس كاتبة قصصية، وأصدرت 5 مجموعات في فن القصة القصيرة.
المثقفة في 11 رواية
على مساحة 366 صفحة، وظفت الباحثة أدوات نقدية ومنهجية في سوسيولوجبا الأدب وتحليل الخطاب واجتماعيات المعرفة، لرسم لوحة لصور المرأة المثقفة من خلال 11 رواية عربية: 4 لروائيين و7 لروائيات، موزعة على بلدان عربية عدة: لبنان ومصر وسوريا والجزائر والسعودية وتونس. وانطلاقا من دراستها وتحليلها بناء الشخصيات الروائية النسائية، وسّعت العطاس رصدها وقائع وأحداث الروايات، فضاءاتها الاجتماعية، وظروف الحقب الزمنية والأمكنة التي بلورتها، أو ما يعرف في المصطلح النقدي بـ"الزمكان". فنقّبت عن صور المرأة وظهّرتها بالتزامن مع التحولات والتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية في البلدان العربية.
بالتوازي مع صور وأوضاع المرأة المثقفة، يشخص البحث تحولات الزمن العربي منذ خمسينيات القرن العشرين حتى الربع الأول من القرن الحالي، الحادي والعشرين. وهي الحقبة الزمنية التي فيها صدرت الروايات، وتوسع الأدب الروائي. وترى الباحثة أنها الحقبة التي شهدت التحولات الأعمق والأقوى تأثيرا في مشهدية المجتمعات العربية.
يناقش البحث في فصوله واستنتاجاته وخلاصته، كيفية حضور النساء في المشهد الروائي العربي، بدءًا بتأصيل الحركة والحراك النسويين، عبر موجات الرائدات منذ العصر الإسلامي، وصولا إلى القرن الحالي، مرورا بالحقبة التي سميت النهضة العربية في بداية القرن العشرين. وفي هذه الحقبة برزت نساء مثقفات من بلدان وأديان ومجتمعات عربية مختلفة، كان لهن دور وتأثير في التحولات وفي التغيير الاجتماعي والثقافي والعلمي والسياسي في بعض البلدان العربية.
تنقيب عمودي ومسح أفقي
ينطلق الكتاب في رحلته مستخدما أدوات نقدية ومنهجية في علم اجتماع الأدب ونظرياته التفاعلية والرمزية التحليلية، في تنقيب عمودي عن نماذج المثقفة في الروايات المبحوثة، من دون إغفال المسح الأفقي لصور المرأة العربية على وجه العموم. فصورة المثقفة وأوضاعها، تتداخل على نحو لصيق وجذري بصور المرأة وأوضاعها العامة في المجتمع.
لذا تتتبع الباحثة مروحة من الشخصيات والمشاهد والحوادث الروائية، وتمظهراتها في المنظومة الاجتماعية والقيمية، وتتطرق بإسهاب إلى: دور التأطير السياسي وحضور الصفوة الثقافية في الواقع وفي بناء الشخصيات الروائية، وتأثير جنس الكاتبـ/ـة في تشكيل صورة المثقفة، ومنظومة العنف الاجتماعي الممنهج الذي يقع على النساء عامة والمثقفات خاصة، وانعكاسات الحب والجنس على صوغ نماذج المثقفة في الرواية.

تحفل الاستنتاجات الختامية بخلاصة وامضة على نقاط ومحطات البحث واستنباطاته المهمة، مثل: تقصي مفهوم المثقفة، والكشف عن محددات تكوينها في الروايات المبحوثة، وربط ذلك بحقب الزمن الاجتماعي الماثل في الروايات وتحليله، وتفكيك الفضاء المكاني وتقاطعاته مع المشترك في المجتمعات العربية. ويحظى التعليم ودوره في تبلور وعي المثقفة بذاتها ومحيطها باهتمام بحثي مميز. وهذا ما ينطبق على العمل والاستقلال الاقتصادي ودورهما في حرية المرأة واستقلال قرارها. ولخوض المرأة غمار النشاط السياسي والحياة الثقافية - وهما منابر وأطر يحتكرها الذكور - حضور أساسي في البحث، الذي يركز على الكشف عن العلاقة الطردية بين المثقفة والمؤسسة الزواجية وتقاليدها الذكورية، وصراعها مع المؤسسات الدينية وطوق العادات والتقاليد الاجتماعية.
التمايزات الجندرية
ولربما غير المسبوق في هذا الكتاب هو كشفه عن التمايزات الجندرية بين الروائيات والروائيين، التي تؤثر في تشكيل صورة المثقفة في الرواية. ومن هذه التمايزات: ندرة نماذج المثقفة في روايات الروائيين الرجال، وعندما تحضر في رواياتهم، إنما تحضر مشوشة، مضطربة وملتبسة، وتنتحل قيم الذكورة لتمتلك صورة مثقفة ومناضلة، تحتقر جسدها الأنثوي المدنس، وتتعرض إلى مصير مأسوي.
واستحضار الروائيين العرب صورة المرأة على هذا النحو، باعثه إصرار تقليدي متجدد ومخاتل، يعتبر النساء كائنات لـ"الحرث والنسل" الذكريين أصلا وفصلا. أما إذا أردن التحرر من وضعهن هذا بالتعليم والعمل والتثقف، فالرجال هم من يدفعونهن إلى ذلك، ليلحقوهن بهم مجددًا، فيصرن كائنات مشوهات. تتأكد الباحثة من هذه الصورة للمثقفة من خلال قراءتها عشرات روايات لروائيين عربًا، لاختيار عينة مناسبة لموضوع بحثها وشروطه.
لم تواجه الباحثة هذه المشكلة في اختيارها روايات الروائيات، إذ كشفت لها مراحل البحث أن الروائيات لديهن إدراك لأبعاد العملية الكتابة، ليبدو أن الرواية "النسائية" ينحسر فيها الخطاب الأيديولوجي لصالح بروز مثقفين ومثقفات يقدمون عليه الوعي الشخصي أو الفردي. وهذا ما يظهر في معظم نماذج الروايات التي صدرت بعد عام 1990، وكتبتها نساء. أما خطاب ما قبل تسعينيات القرن العشرين الروائي، فمشحون بالأدلجة الثقافية والسياسة، وروائيوه رجال.
يَظهر النص الروائي النسائي أو الأنثوثي على وعي متجدد بالجسد، وجوديًا وجماليًا. فالروائيات يُعِدن الجسد إلى بكارة خَلْقِه الأولى، قبل أن يُخلَق اجتماعيا ويتسربل بأبوية جاهزة. وهكذا تصور الروائيات المثقفة على مقاس رغبتهن في التحرر والتمرد، وعلى قطيعة مع تاريخ الحجب والتهميش، وخصوصًا حجب كينونتها وأفكارها ورغباتها الروحية والجسدية.
كأنما الروائيات أردن القول: نحن لسنا فقط أناثا عابرات في محطات شيدها الروائي الرجل في بروج الثقافة والرواية والأدب. وإذ نتقاطع معه في الرواية والسرد، فلنجترح خطوات أبعد على طريق في اكتناه مفاهيم المرأة بذاها ولذاتها، بجسدها وكيانها وروحها، أكانت مثقفة أم غير مثقفة.
نبض