إشكاليات تدريس تاريخ العالم العربي في المدارس الفرنسية

ثقافة 05-02-2026 | 11:59

إشكاليات تدريس تاريخ العالم العربي في المدارس الفرنسية

يقدم فرانسوا سينو تحليلاً دقيقاً وموثقاً لموضوعٍ محوري في النقاشات العامة المتكررة، عن مكانة تدريس تاريخ العالمين العربي والإسلامي وأساليبه  ضمن النظام التعليمي الفرنسي. 
إشكاليات تدريس تاريخ العالم العربي في المدارس الفرنسية
لوحة غلاف الكتاب.
Smaller Bigger

مع تحول الحديث عن العرب والمسلمين في فرنسا إلى مادة سياسية وانتخابية أساسية، أصبح تدريس تاريخ العالم العربي والإسلامي "منطقة خطرة". بات هذا النوع من الدراسات الذي يظهر في مختلف مناهج المراحل الثانوية، "موضوعاً حساساً" لا يتناوله المعلمون إلا بحذر شديد. وهو الواقع الذي يبحث فيه فرانسوا سينو من خلال كتابه "تدريس تاريخ العالم العربي والإسلامي في المدارس الفرنسية"، الصادر حديثاً عن معهد البحوث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي، في جامعة  "إيكس أون بروفانس".

يقدم فرانسوا سينو تحليلاً دقيقاً وموثقاً لموضوعٍ محوري في النقاشات العامة المتكررة، عن مكانة تدريس تاريخ العالمين العربي والإسلامي وأساليبه  ضمن النظام التعليمي الفرنسي. وبصفته عالم اجتماع وعلوم سياسية، يتجنب المؤلف عمداً الخطاب الجدلي، ويركز بدلاً من ذلك على دراسة الممارسات الفعلية للمعلمين استناداً إلى بحث ميداني معمق.

يعتمد الكتاب بشكل أساسي على استبيانات ومقابلات أُجريت مع معلمي المرحلة الثانوية، معظمهم في منطقة إيكس مارسيليا، ويتبنى منهجاً تجريبياً يسعى إلى رصد واقع التدريس. فهو منهجياً دراسة استقصائية أُجريت منذ عام 2017 بين معلمي التاريخ والجغرافيا في المدارس الثانوية (المرحلتين الإعدادية والثانوية) في أكاديمية إيكس مارسيليا، مع التركيز على تدريس تاريخ العالمين العربي والإسلامي وأحداثهما في المدارس الفرنسية.

يكمن أحد أهم إسهامات الكتاب في تفكيكه التصورات السائدة التي تُصوّر هذه المواضيع على أنها مُتجنَّبة أو خاضعة للرقابة أو مثيرة للصراع بشكل منهجي في الفصول الدراسية. على النقيض من ذلك، يُبيّن  سينو أن تاريخ العالمين العربي والإسلامي يُدرَّس على نطاق واسع ويُدمج في المناهج الدراسية، من دون أن يُنظر إليه جوهرياً على أنه أكثر إشكالية من غيره من فصول المنهج. وقد أكد المعلمون الذين أُجريت معهم المقابلات بالإجماع أنهم يتناولون هذه المواضيع بانتظام، مستخدمين الأدوات القياسية لعلم التاريخ، ومن دون التشكيك في شرعيتها المهنية.

 

غلاف الكتاب.
غلاف الكتاب.

 

ومع ذلك، يُسلّط التحليل الضوء على التوترات الخاصة التي قد تنشأ عند تدريس هذه المواضيع، لا سيما عندما ترتبط بقضايا معاصرة كالإسلام والاستعمار والصراعات في الشرق الأوسط. في جوهر هذه المشكلات، وفي سياق تنوّع الهيئة الطلابية في المدارس الفرنسية، غالباً ما تُوجّه أصابع الاتهام، بشكل صريح أو ضمني، إلى فئات وطلاب يُصنّفون على أنهم "مسلمون" ويُفترض أنهم يتّسمون بميول نحو "الانعزالية" وسياسات الهوية.

وبحسب بعض المعلقين، فإنّهم، بتشجيع من منظمات سياسية دينية خارج النظام المدرسي، يبدأون، كما يُفترض، رفع أصواتهم، والطعن في بعض الدروس، بل ومنع المعلمين من أداء واجباتهم. وفي السياق المأسوي للهجمات التي ضربت فرنسا بدءاً من عام 2015، بالنسبة إلى عدد من المعلقين على النظام التعليمي، والتي ترددت أصداؤها في وسائل الإعلام الرئيسية، لا شكّ في أنّ المعلمين خائفون. ومن هنا، قد يكون من المبالغة أحياناًَ الاشتباه في تهرّبهم أو مساومتهم أو حتى تخلّيهم عن المسؤولية تجاه طلابهم. ويؤكد المؤلف أن هذه الصعوبات لا تؤدي إلى التخلي عن المنهج التربوي، بل إلى تعديلات في ممارسات التدريس: كالاختيار الدقيق للوثائق، والاهتمام بالمفردات، وتعزيز السياق، والتذكير المستمر بمتطلبات المنهج التاريخي. وهكذا، يظهر المعلمون كفاعلين واعين، مدركين  توقعات المؤسسة التعليمية، فضلاً عن إدراكات الطلاب وحساسياتهم.

يُسلّط الكتاب الضوء أيضاً على الفجوة بين الخطاب العام حول المدارس والواقع المُلاحظ في الفصول الدراسية. فبينما تميل النقاشات الإعلامية إلى اختزال الطلاب إلى جوهرهم أو التلميح إلى التشكيك في القيم الجمهورية، يكشف البحث عن بيئة مدرسية يهيمن عليها منطق المهنية. يسعى المعلمون في المقام الأول إلى الحفاظ على إطار تأديبي ومدني مشترك، مع إدارة تنوّع التجارب الاجتماعية والثقافية الموجودة في الفصل. يُمكّننا هذا النهج الدقيق من تجاوز التفسيرات المُبسطة التي تُعارض حياد المدرسة والهويات المُتصوّرة.

من وجهة نظر نقدية، يمكن ملاحظة بعض القيود التي تؤثر على النتائج التي توصل إليها فرانسوا سينو، فالتركيز الجغرافي للدراسة يثير تساؤلات حول إمكان تعميم النتائج، رغم إقرار المؤلف بهذا القيد وتوضيحه له. علاوة على ذلك، فإن أسلوب الدراسة وتوجهها الاجتماعي يستهدفان في المقام الأول جمهوراً أكاديمياً أو مهنياً، ما قد يحد من إمكان وصولها إلى شريحة أوسع من القراء، هم الشريحة الأكثر حاجةً لها كونهم يتعرضون يومياً لسيل عارمٍ من الأخبار والتحليلات الإعلامية الموجهة. ومع ذلك يمثل الكتاب إضافة قيّمة إلى علم اجتماع التعليم وإلى التفكير في تدريس التاريخ. فمن خلال وضع المعلمين وممارساتهم في صميم التحليل، يُقدّم فرانسوا سينو سردية مضادة مدعومة جيداً للجدل الأيديولوجية. يدعونا من خلالها إلى النظر إلى المدارس لا كمساحات لأزمات دائمة، بل كمساحات عمل يومية تُبنى فيها المعرفة التاريخية المشتركة بشكل عملي ومهني.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/3/2026 8:35:00 PM
غموض يلف مصير سيف الإسلام القذافي وسط تضارب الأنباء في الزنتان
شمال إفريقيا 2/3/2026 9:44:00 PM
وُلد سيف الإسلام في طرابلس عام 1972، وهو الابن الأكبر للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي من زوجته الثانية صفية فركاش
شمال إفريقيا 2/4/2026 11:17:00 PM
أحمد القذافي ينشر رواية اغتيال سيف الإسلام ويطالب بتحقيق شفاف
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime.