التياترو الكبير في عهدة بلدية بيروت بعدما رفضت "سوليدير" تحويله فندقاً
ضجة مفتعلة ربما، اثيرت في الاسبوع الماضي، حول تملك بلدية بيروت مبنى "التياترو الكبير" وسط العاصمة، علماً ان البلدية ستتسلم صرحاً ثقافياً متكاملاً ومجهّزاً بناء لمسعى من وزارة الثقافة مع اليونسكو وجهات مانحة ستعمل على تجهيزه، بدلا من تحوله فندقاً وملهى ليلياً.
في خطوة تعكس تغليب القيمة التاريخية على الربحية التجارية، رفضت شركة سوليدير عرضاً لبيع العقار المؤلّف من "التياترو الكبير" وقطعة الأرض الملاصقة له، والتي تبلغ المساحة الإجمالية المبنية فيها نحو 14,000 متر مربع، لمستثمر كان يعتزم تطوير "بوتيك أوتيل" وتحويل "التياترو الكبير" إلى ملهى ليلي، وذلك مقابل مبلغ ثمانية وعشرين مليون دولار أميركي. وقد جاء هذا القرار انطلاقاً من التزام الشركة بصون القيمة التاريخية للمسرح والحفاظ على الإرث الثقافي والحضاري الذي يجسّده.

منذ نحو 6 أشهر، بادرت وزارة الثقافة إلى التواصل مع شركة سوليدير، واقترحت العمل المشترك على بلورة آلية مستدامة لإحياء المبنى، بالتنسيق مع منظمة "اليونسكو" التي أعلنت مديرتها العامة أودري أزولاي، عقب زيارة ميدانية، تصنيف المبنى موقعاً تراثياً عالمياً. ومع حرص الوزارة على حصر ملكية المعلم ضمن إطار الدولة أو أي من مؤسسات القطاع العام، واصطدامها بعقبة شح الموارد المالية للاستملاك، تبلورت فكرة أن تستحوذ البلدية على المبنى مقابل مبادلة أسهمها في شركة "سوليدير".
وقد تعهدت وزارة الثقافة ومنظمة اليونسكو بإطلاق حملة لجمع تبرعات بما يصل إلى عشرة ملايين دولار أميركي، بينما قدمت إمارة الشارقة مساهمة بقيمة مليون دولار، والتزمت شركة "سوليدير" بمساهمة إضافية قدرها مليونا دولار.

ورغم الطابع الإيجابي والجامع لهذا المشروع، إلا أنه لم يسلم من محاولات التسييس والتشكيك التي تفرضها الأجواء الانتخابية الراهنة. لكن هذه الضوضاء لم تحجب التأييد الشعبي الواسع؛ إذ يترقب المواطنون بشغف استعادة "التياترو الكبير" لمكانته كمنارة للفنون الأدائية ومنصة للإبداع الثقافي. أضف إلى ذلك، أن بلدية بيروت ستتسلم في نهاية المطاف صرحاً ثقافياً متكاملاً ومجهّزاً، يقع ضمن مبنى تراثي عريق، من دون تحمّل أي أعباء مالية تتعلق بأعمال الترميم أو التأهيل للمدينة.
وأمام هذه الوقائع، يبرز تساؤل جوهري: ما الجدوى من وجود البلدية إذا لم تساهم في إثراء الحياة الثقافية في مدينة تسعى جاهدة لنفض غبار الحروب والصراعات والأزمات الاقتصادية؟ وهل يُفترض أن يقتصر دورها على تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش اليومية فحسب، دون المساهمة في إعادة بناء الهوية الثقافية والحضارية للمدينة؟

ووفق عميد كلية الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانية الدكتورهشام زين الدين "أن المسرح القريب من مرفأ بيروت كان عبارة عن مستودع للزوارق يمتكله أبو عبد الله الشرقاوي وقد اشتراه جورج تابت الذي قرّر الشروع بتحويل هذا المبنى إلى مسرح، إيماناً منه بأن بيروت تستحق مسرحاً على مستوى عالمي نظراً لدورها الثقافي كمنارة للشرق ونقطة التقاء وتواصل بين دول العالم، فكلف مهمة هندسته إلى أحد أشهر المهندسين في لبنان آنذاك يوسف بك أفتيموس الذي كان وزيراً للأشغال في إحدى حكومات الانتداب الفرنسي في لبنان.
يضم المسرح نحو 700 كرسي وقد تم بناؤه على طريقة المسارح اللندنية الفخمة، ويتخذ شكل الهندسة الدائرية من الداخل التي تشبه مسرح “الأوبرا” في فرنسا، أما التقنيات التي استخدمت فيه كالصوت والإضاءة فكانت متطابقة مع أهم المواصفات العالمية لتجهيز وبناء المسارح في النصف الأول من القرن العشرين. افتتح المسرح عام 1929 بعروض مسرحية فرنسية لفرقة ماري بل وشارل بواييه، وبعد عام قدمت فرقة “الكوميدي فرانسيز” الفرنسية الشهيرة عروضها العالمية فيه، كما استضافت خشبته عمالقة الغناء والطرب العربي الأصيل، فقدمت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب حفلاتهما الغنائية للمرة الأولى في بيروت فيه. كما قدم عميد المسرح العربي يوسف وهبي مسرحيات عدة مع فرقته، إضافة إلى عروض الفرقة القومية المصرية للمسرح وعلى رأسها الفنان العظيم نجيب الريحاني، وكذلك عدد من الأمسيات الشعرية للأخطل الصغير".
نبض