رواية فرنسية جديدة تُجسّد الكائن الرقميّ في وحدته
ينطلق الموسم الأدبي الثاني في فرنسا بكمٍّ وتنوّعٍ يضاهيان موسم الدخول، والرواية دائماً على دأب هذا التقليد سيدتُه بلا منازع، جمهورها متوافر وكتّابها الراسخون حاضرون. منهم دلفين دو فيغان، كاتبة وسيناريست لمع اسمُها منذ عام 2007 بفوزها بجائزة المكتبات، وخصوصاً تتويجها بجائزة رونودو المرموقة عام 2015 عن روايتها "مبنيّ على قصة حقيقية" (D'après une histoire vraie) لتتوالى أعمالها تنال الحظوة فرنسياً وفي الخارج.
تحضر دلفين دوفيغان في الموسم الجديد برواية "أنا رومان مونيي" (Je suis Romane Monnier) (غالميار)، تواصل فيها توطيد تيمات وشواغلَ حفلت بها رواياتُها السابقة الدائرة في الأفلاك الفردية والحميمية، والعلائق الإنسانية الهشّة، وبتشخيصٍ وتخييلٍ لمعضلة بحث الإنسان عن مرتكز ما في عالم اليوم، حيث القلق واهتزاز اليقين، ورفض المسلّمات تنهب نفوس الشباب، والنساء بينهم خاصةً هن فاعلٌ محوري لسردها؛ لتصنع منعطفاً داخل البنية الذهنية والسيكولوجية لشخصياتها، بتوظيف وسائط الخطاب ووسائط اتصالات التكنولوجيا الحديثة في نسج العلاقات البينية، ومع الذات نفسها، على قاعدة ما تعانيه من أزمات وهموم وجودية.
لنفهمَ هذا التحول الشكلي في الظاهر، الجوهري عند الكاتبة في بناء "رؤية العالم" لروايتها، لنتعرف على محكيِّها المتعدد والمتشابك، يُروى على لسان ساردَين لكلٍّ قصتُه، وساردٍ ثالث تركيبي، يولّد قصةً داخل قصة وأكثر. السارد الأول توماس، أبٌ شابٌّ تخلّت عنه رفيقته بعد أن أنجبت بنتاً اضطر لتربيتها والتكفّل بها من صباها إلى بلوغها واستقلالها عنه. عاش سنوات مضطربة بين شعورٍ بيُتم فقد والدَيه، أمِّه، أولاً، وأبيه الذي انتحر بعدها، وتقلّبه في المهن، إلى استقراره في مهنة تاجر طباعة، بموازاة علاقة صداقة حميمة مع ناثان وزوجته هما ملاذه. فاعلية توماس الحقيقة ستحفزها صدفة، تحدث مساراً مختلفاً لحياته، وستعطيها معنى تفتقده. في الوقت تصنع عقدة الرواية، حين ذات جلسة في المقهى برفقة صديقه ستستبدل امرأة هاتفها المحمول عمداً بجهازه طبق الأصل، لن ينتبه إلا بعد عودته إلى شقته، وسيبذل إثرها محاولات مضنية ليردّ هاتف الخطأ ويستردّ بدوره جهازه مخزنه وأداة عمله، ليفاجأ بأن مالكته تطلب منه الاحتفاظ به بل تزوِّده برقمه السرّي، ومن هنا تبدأ الحياة الجديدة لتوماس والقصة القالب.

أسميها القصة القالب لأنها تحوي محكيّاً مزدوِجاً: محكيُّ الأب يقصّ يومياته العادية، وضمنها محكيّ رومان صاحبة الهاتف، تدريجياً يستحوذ الثاني على الأول ويصبح الأصل وما قبله فرعاً وامتداداً له، بمعنى أن شغل توما الشاغل وحياته ستصبح معرفة من صاحبة المحمول وماذا محتواه. تتناوب فصول الرواية ذهاباً وإياباً بين الفاعلين والسيرتين باشتراك وافتراق وجدل، وتُروى قصة رومان مونيي مُجزأةً بحكم أن راويها (توماس) يجمعها مما يستخرجه من تطبيقات وتسجيلات الموبايل، مدونةً ومسجلةً وموثقةً بإمكانات الرقمي وهذا لسان جديد.
تولد رومان لأبوين عاشا سنوات محدودة وافترقا بسبب تعرّض الأم لإعاقة جسدية أفسدت مزاجها وعكّرت الحياة الزوجية فتطلقا، وبقيت البنت في كنف أمها، وأبوها يرعاها عن بُعد. تعيش وتترعرع إذن في ظروف قطيعة عائلية ووحشة شخصية، وتوترات بين محيط عملها وعلاقاتها الشبابية، وخصوصاً إحساسها المتزايد بالانفصام بين ثقافة وسُنن المجتمع، ومشاعرها ومعتقداتها المهزوزة، تحتدّ وتتأزم في رحلة بحثها عن هويتها بين أبويها وشتات صداقات، تنتهي بها إلى قرار الانسحاب من الواقع كما عاشته وتراكم، والاختفاء والرحيل إلى حيث لا أحد يعرفها، والتخلّي عن كل ما تملك عملياً وبكناية إبدال هاتفها وتركه عند مجهول.
بينما يروي توماس حكايته هو وابنته ليو برفقة صديقيه وعلاقاته الأخرى سرداً خبريّاً بنسَقٍ تقليدي، مأزومٍ، نعم، لكن باستسلام قدري؛ تُروى قصة رومان بإيقاع متوتر، وأمشاج، وصراع محتدم مع المحيط والذات المنتفضة الرافضة، من موقع إشكالية وجودية فكرية مملاة من الكاتبة أكثر من أنها مقنعة في العالم الروائي، وهذا ما يرجّح عندي فرضيّة أن الكاتبة تصدُر عن بنية نظرية تصورية مسبقة، فلسفتها وحدة الفرد القصوى في المجتمع الغربي (المعاصر) وضياعه، وتفكك الأواصر العائلية فيه وتهافت المرجعيات، ما يدفعه إلى اختيار القطيعة حتمية. ما هذا منظور طارئ، فالرواية الفرنسية تستثمره منذ منتصف القرن الماضي، وتتوغل النسوية بالذات في مناحيه لتنطق بحرية المرأة وامتلاك إرادتها وصنع مصيرها، صنيع رومان مونيي.
الجديد هو أن هذا المنظور استقرّ بنيةً سرديةً السِّيرُ الحميميةُ العائليةُ موضوعُه وإشكالياتُه. والجديد اللاّفت للنظر أنه يعتمد طرائق مغايرة في الخبر والإبلاغ وخطة الحكي ورسم الشخصيات وكيفية بلورة أسباب ومظاهر التأزيم الضرورية لكل عمل روائي. نسمع هنا وهناك عن الكتابة الرقمية بما تتوافر عليه من وسائط وأدوات تنتج تعبيرات خاصة بها، موجودة بوفرة في وسائل التواصل الاجتماعي، لكن نماذجها الأدبيةَ المميزةَ هي قيدَ التبلور لا بد ستُحدث تحولاً في هذا المضمار الكتابُ وحدهم مؤهلون له لا محترفو جعجعة التنظير بلا موهبة تُذكر.
في رواية "أنا رومان مونيي" بعنوانها، تجهر بهوية ضمير المتكلم يتحمل مسؤوليته وقراره؛ تختار دو فيغان استخدام أدوات الكتابة الرقمية (تطبيقات، رسائل صوتية، تسجيلات، نوتات...) فصولاً كاملة لا مقاطع وشذرات، ترِد غالباً في شكل حواري، من الحوار الثنائي التقليدي، وآخر بوليفوني، وبهذه الأدوات تتجسّد كتابة روائية لنذكر أن فضاءها الهاتف المحمول وليس الورق، وإذن هي نصّ الشاشة وبمقتضى تقنيتها، تتطلب قارئاً مختلفاً، المتلقي الرقمي بجواره القارئ الكلاسيكي من تربّى على قراءة الكتاب. رصدت الكاتبة فعلاً الكوكب الجديد الذي انتقلت البشرية لسكناه، وصار إبدالاً للمجتمعات السابقة، بطل الزمن المعاصر. إنها فعلاً بلاغةٌ ورؤيةٌ ونسقٌ أدبيٌّ سرديٌّ تخييليٌّ متناغمة كلها مع تحولات العصر تقدمها لنا هذه الرواية وتستدعي من الكتاب والنقاد والدارسين، وجمهرة القراء بالطبع، التأمل في مستقبل الأدب.
نبض