علي بن تميم يقارب شعر منصور الرحباني ويمنح مفاتيح لقراءته
شارك الدكتور علي بن تميم، الناقد والأكاديمي، رئيس مركز أبو ظبي للغة العربية والأمين العام لجائزة الشيخ زايد، في الندوة التي عقدتها مجموعة ابو ظبي للثقافة والفنون بالتعاون مع كرسي الشيخ زايد للدراسات العربية والاسلامية في الجامعة الأمريكية في بيروت، بعنوان "منصور الرحباني: الارث الشعري والاثر الفني"، وتحدث فيها أيضا الفنان أسامة الرحباني والمغنية هبة طوجي. أضفت مشاركة الدكتور بن تميم على الندوة طابعاً نقدياً وتحليلياً، ومثلت مقاربة عربية جديدة لشعر منصور الرحباني المكتوب بالفصحى، ولا سيما في مجموعة "أسافر وحدي ملكاً". توقف الدكتور بن تميم، المتخصص في نقد الشعر العربي وخصوصا شعر المتبني، عند أبرز الخصائص التي تميز شعر الرحباني، منتقلا بين النص والإيقاع، وبين البعد الجمالي والرمزي، والشعر المحكي والفصيح. ولعل الافكار التي تناولها بن تميم تصلح لأن تكون مفاتيح مهمة للدخول الى عالم منصور الرحباني الشعري.
وكان مسك الختام في بيروت، مع ليلة ثقافية فنية رائعة في الجامعة الأمريكية بيروت حول "منصور الرحباني: الإرث الشعري والأثر الفني"، ضمن برنامج مهرجان أبوظبي في الخارج، والذي يقام برعاية الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، الراعي الفخري المؤسس… pic.twitter.com/xa7845xYNT
— د. علي بن تميم (@3litamim) January 16, 2026
استهل الدكتور بن تميمي مداخلته قائلاً:" عندما نتأمل سيرة المبدع المعلم الراحل منصور الرحباني، نعرف مقدار ما تحلى به من عصامية وتفرّد، فقد شق طريقه وحده، وبنى شخصيته الإبداعية المستقلة، مع أنه بدأ مفرداً بصيغة المثنى، وشكّل مع شقيقه الراحل عاصي ثنائية "الأخوين رحباني" التي صنعت تحوّلاً موسيقياً وغنائياً لافتاً في الموسيقى العربية الحديثة، استطاعت نقل الغناء في لبنان والعالم العربي إلى الحداثة الفنية".
واضاف:" بدأ الأخوان رحباني، العمل في سلك الشرطة، ثم تركا العمل وكفّا عن ملاحقة الخارجين على القانون، ليلاحقا اللحن والنغم والمفردة الشعرية وليطاردا اللحظة الجمالية لبناء إبداع خالد ومتفرّد. لذا كثرت في أعمالهما الإشارة للسجن والتحقيق والشرطة".
ثم حدد وجهة مقاربته النقدية قائلاً: "سأقصر حديثي في هذه المناسبة الجليلة على بعض معالم تجربة منصور الرحباني الشعرية الغنية، المرتبطة بالنغم والأغنية، التي شيّدها منصور ضمن تلك الشراكة الفنية التي اشتهرت في العالم بوصفها لحظة فارقة، لأنها صنعت، من خلال صوت فيروز، تحولاً في النغم والفكر والجمال، وتخطت الحواجز الدينية والقومية. فليس ما قبلها كما بعدها، وسأضرب مثالاً واحداً هو أغنية "غنيتُ مكة أهلها الصيدا" التي نظمها الشاعر الكبير سعيد عقل ولحّنها الأخوان رحباني وغنّتها فيروز. فالعمل صناعة مسيحية خالصة، تتغنى بمكة وبالكعبة ضمن منظور يحترم قداسة الأديان ويعلي من شأنها، ويبني لحظة حافلة بالمقدس والجميل معاً: "أنا أينما صلى الأنام رأت عيني السماء تفتّحت جودا/ لو رملة هتفت بمبدعها شجواً لكنت لشجوها عودا/ ضج الحجيج هناك فاشتبكي بفمي هنا يغر تغريدا/ وأعز رب الناس كلهم بيضا فلا فرقت أو سودا".
وهنا يشير بن تميم "إلى بناء الأخوين رحباني رمزيات وطنية، من خلال الغناء للمدن والعواصم العربية: القدس (زهرة المدائن) وعمّان (عمّان في القلب) ودمشق (قصائد عديدة مثل: يا شام عاد الصيف) وبغداد (بغداد والشعراء) وتونس (يا تونس الشقيقة) والإسكندرية (شط اسكندرية) وقصيدة (مصر عادت شمسك الذهب) والمغرب (تحية الرجولة لشواطئ المغرب) وبيروت والكويت (غنّ الكويت وغني علاها) ودولة الإمارات العربية المتحدة (عادت الرايات):
"عادت الرايات تجتاح المدى وجعلنا موعد المجد غدا
يا إماراتٍ على أبوابها يصرخ البحر وينهدّ الصدى
عادت الرايات والمجد غدا
نهضتْ وسع العلى فاتحدت وتسامى شعبها فاتّحدا
عادت الرايات والمجد غدا".
وفي رأي بن تميم أن " هذه القصيدة، التي غُنّيت في نهاية السبعينات، بما صنعه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي بنى دولة الاتحاد، وشيّد نهضتها وقاد تحولاتها، وصنع مجتمعاً يقوم على التعدد والتنوع ويؤمّن التسامح والتعايش. ومن الجميل أن "عادت الرايات" ترسم ماضي الإمارات وحاضرها وتبشر بمستقبلها الزاهي. وهنا أشير إلى أن "عادت الرايات"، وهي العتبة النصية التي شكّلت الجملة الدالة الأولى في القصيدة، تؤكد أنّ حاضر الإمارات متصل بماضيها، فالإمارات دولة موغلة في المجد، وهي تستأنف مسيرتها الحضارية، الضاربة في أعمق التاريخ".
وأضاف: "كل ذلك يجعل الحديث عن شخصية المبدع الراحل منصور الرحباني، ليس سهلاً. فكل دارس للموسيقى، محب للشعب، عاشق للمسرح، يدرك أنه أمام شخص متعدد المواهب، واسع الثقافة، عارف بمجتمعه وعالمه المعاصر، مطل على ماضيه المتنوع: اللبناني الشعبي، والعربي الموروث والعالمي الفاعل.
منصور الرحباني ابنٌ لطبيعة لبنان بكل ما تنطوي عليه من جمال وتنوع. هذه الطبيعة الحاضرة في الشعر العربي واللبناني منذ أن قال أبو الطيب:
"وعقابُ لبنانٍ وكيف بقطعها وهو الشتاء وصيفهنَّ شتاء
لَبَسَ الثلوج بها عليّ مسالكي
فكأنها ببياضها سوداء
وكذا الكريم إذا أقام ببلدة سال النُّضار بها وقام الماء
جمد القِطار ولو رأته كما ترى
بُهتَتْ فلم تتبجَّس الأنواء".
ومنذ قال أبو نواس:
سُلافُ دَنٍّ إذا ما الماءُ خَالَطَها
فاحَت كَما فاحً تُفّاحٌ بِلُبنانِ
يقول أبو الطيب:
"أُحِبُّ حِمصاً إلى خُناصِرَةٍ
وَكُلُّ نَفسٍ تُحِبُّ مَحياهَا
حَيثُ التقى خَدُّها وَتُفَّاحُ
لبنان وَثَغري على حُمَيَّاها".
وقد ظلت طبيعة لبنان محور الشعر اللبناني ومحور شعر الزجل في لبنان. وقد حرص منصور أو "الأخوان رحباني"، وهما يكتبان قصائد باللهجة اللبنانية على رسم شعرية رعوية، تمجّد الحياة الريفية البسيطة والطبيعة الهادئة، وتضفي طابعاً يوتوبياً على لبنان وإنسانه وعلاقاته الناس في ريفه".
وتحدث الدكتور بن تميم عن أغنية "نحن والقمر جيران" التي "غنّتها فيروز في ستينات القرن الماضي، ما يمكن تسميته بالمرحلة الشعرية الريفية. فالنص كُتب ليُغنّى وهو ما يبدو في بساطته الظاهرة وعمقه الدلالي ولغته الشفافة المتداولة، التي تُمنح من حياة الريف ومخزونه اللغوي، فليس ثمة زخرفة لفظية أو محسّنات بلاغية، بل اقتصاد لغوي. فقد كان منصور يريد أن يظل قريباً من الناس لا يتعالى عليهم. أما على مستوى الصورة الشعرية، فإن القصيدة تسعى كي يذوب الحد الفاصل بين الإنسان والكون. فمنصور يرى أنّ الإنسان ليس وحيداً، فالطبيعة تحبه وتؤنسه. لذا نلحظ أنّ القصيدة تخلو من القلق الوجودي ومن الأسئلة الفلسفية ومن التاريخ والمآسي. وتبني عالماً منسجماً، مسالماً، بريئاً".
وتوقف بن تميم عند مختارات منصور الشعرية قائلاً: "قدّم منصور عبر مختاراته صورة دالّة للشعر العربي القديم، فهو يختار نصوصاً تتسم بإنسانية عالية، وحزن شفيف وجماليات فاتنة، وبساطة تعبيرية. وهنا أشير إلى بعض المختارات القديمة:
1- عنترة بن شداد: ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني/ وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها/ لمعت كبارق ثغرك المتبسم
2- ذو الصمة القشيري: بروحي تلك الأرض ما أطيب الربا/ وما أجمل المصطاف والمتربعا
3- جرير: يا حبذا جبل الريان من جبل/ وحبذا ساكن الريان من كانا
4- جميل بثينة: لو تعلمين بما أجن من الهوى لعذرت أو لظلمت أن لم تعذري
5- أبو العتاهية: حجبوها عن الرياح لأني قلت يا ريح بلغيها السلاما
6- أبو نواس: حامل الهوى تعب/ يستخفه الطرب
7- أبو الطيب: وعذلت أهل العشق حتى ذقته/ فعجبت كيف يموت من لا يعشق
8- أبو العتاهية: حجبوها عن الرياح لأني قلت يا ريح بلغيها السلاما
9- الحصرية: يا ليل الصب متى غده / أقيام الساعة موعده
10- ابن سناء الملك: يا شقيق الروح من جسدي/ أهوى بي منك أم ألم
11- موشح: لسان الدين الخطيب: جادك الغيث إذا الغيث همى يا زمان الوصل بالأندلس
12- موشح أبو بكر بن زهر: هل تُستَعادْ... أيامُنا بالخليجْ وليالينا
أو يُستفادْ.. من النسيم الأريجْ مِسْكُ دارينا
الشعراء المعاصرون: بشارة الخوري وسعيد عقل، بدأت العلاقة مع الأخطل الصغير مبكرة حين غنّت له فيروز قصيدة "بردى" عام 1957، وقدّمتها في احتفال عيد الجلاء في نادي الضباط بدمشق. وقد لحن له الرحبانيان إحدى عشرة قصيدة: "بردى"، "بيروت هل ذرفت"، "بين النجوم"، "قد أتاك يعتذر"، "ملعب الأحلام"، نسيم الدجى"، ندى"، "وداد"، "يا رُبى"، "يا عاقد الحاجبين"، "يبكي ويضحك".
سعيد عقل: اختار له الأخوان رحباني 19 قصيدة للغناء، منها مثلاً: غنيتُ مكة، عمان في القلب، أردن أرض العزم، سائليني يا شآم، مُر بي يا واعداً وعداً.
جبران خليل جبران: أعطني الناي، سكن الليل، المحبة.
إيليا أبو ماضي: وطن النجوم
ميخائيل نعيمة: أوراق الخريف.
نزار قباني: وشاية، موال دمشقي، لا تسألوني ما اسمه حبيبي.
رفيق خوري: أرجعي يا ألف ليلة، ليلة العمر.
استعاد الأخوان رحباني: "يا جارة الوادي" لأحمد شوقي واختارا قصيدة للشاعر الغنائي المصري مرسي جميل عزيز "سوف أحيا".
وهناك قصائد للأخوين رحباني (هي لمنصور على الأرجح) مثل: "لقاء الأمس"، "أمس انتهينا"، "يا زائري في الضحى"، "نجمة الكتب"، "رجعت في المساء"، "عصفورة الشجن"، "إذكريني"، "القطاف"، "بغداد"، و"شهرزاد".
ويضيف: "هذه الاختيارات تنم عن ذائقة جمالية رفيعة، لكنّ اللاّفت أنه لم يتم اختيار أية أبيات لشاعرة عربية قديمة أو حديثة، مع أنّ منصور قرأ لأعلام من الشعر العربي الحديث: أدونيس ودرويش، على محمود طه وبدر شاكر السيّاب وغيرهم. وجاءت قراءته تجسّد هذا التذوّق للشعر وتفاعله معه، وتدل على وجدان شاعر مرهف. أما عن غياب المرأة فيبدو أن صوت فيروز كان يسد مسد الأنوثة الغائبة، كما كان صوت خولة في مسرحية المتنبي يحكي معاناة أبي الطيب، ولكن من خلال رؤية منصور الرحباني".
ويتوقف بن تميم عن قضية مهمة لدى منصور، فهو "بدأ (منصور) ينتقل من شعر الألفة إلى شعر الرؤية. فصارت اللغة أكثر تكثيفاً، ورمزية وأقل غنائية، وصارت تنطوي على مفارقات لغوية ومفارقات ساخرة، حتى يصح القول: بدأ منصور شاعراً يرى العالم جميلاً وانتهى شاعراً يتساءل لماذا يفسده الإنسان؟
ثم يقدم في كلمته النقدية ما يسيمه "مقاربة أولية لديوان "أسافر وحدي ملكاً"، فيقول: "تبدو قصائد منصور، في "أسافر وحدي ملكاً" كأنها قصائد رثاء أو كأنها سفينة تطلق صرخات استغاثة، فهو شاعر يعشق الحياة ويحتفي بها وبكل ما فيها، لكنه شاعر، يرسم إشارة النصر بكفه على وجه المياه، وهو يغرق:
طلع البحر من البرج الليلي
وعاد إلينا
امرأة قالت للبحر
يا منسوجاً من صلوات نساء المرتحلين
ودمع المشتاقين
سمكاً تعطينا
ومراراً تأخذ صيادين.
الحياة عند منصور ليست نقيضاً للموت، بل نقيض العدم، ونصوصه مملوءة بالشغف وفيها نساء يأتين فرحات بالحياة، وبالأرض وبالعناصر، وبالتحولات، كأنه يستعيد قول عروة بن الورد: "أوزّع جسمي في جسومٍ كثيرة" فيقول: "وكل ما لا يتوزّع في غيره، عقيماً يكون".
المائت يصعد
يمحو ألق الموت ويصعد
يتوهّج تاجاً/ عرشاً/ ملكاً.
يقدم منصور في "أسافر وحدي ملكاً" نصوصاً تمزج بين التصوّف والقلق الوجودي، والتعلق الميتافيزيقي بالوطن، فالديوان سيرة ذاتية للروح وهي تحاول الانعتاق من سجن الجسد والزمن.
يا وجعي
أنت سجين الداخل
يا حبي
أنت الداخل في أوجاع الداخل
ويتناول مفهوم العتبة في تعددها ولعل هذا ما لم ينتبه اليه نقاد شعر منصور: "يشكل العنوان عتبة نصّية تحتاج إلى تحليل وقراءة. فلو اقتصر العنوان على "أسافر وحدي" لدلّ على السفر وحيداً، وهذا أمر طبيعي في مثل هذه التجربة المرتبطة بالشعور بالاغتراب. لكنّ إضافة "ملكاً"، أربكت الدلالة وقلبت الموازين وبيّنت أن الوحدة ليست اعتزالاً، بل تشبه عند المتصوّفة "خلوة العارف" الذي يعيد التأمل في الذات لاكتشاف جوهرها.
والملك هنا هو من يتحكم بمشاعره وأفكاره وقدراته، ويصنع عالماً موازياً، يتجاوز به الواقع. ومنصور الرحباني، يرفض أن يكون كالمعري حبيس الجسد والبيت، والإبداع عنده وسيلة لكسر هذه القيود، بحثاً عن الجمال والحب. ويكون السفر وسيلته للوصول، كما يكون الفناء في هذا الجمال هو الهدف.
هناك قلق وجودي وحزن عميق لكنه ليس حزناً استسلامياً فيحضر الموت في قصائد منصور كبوابة للعبور، لا كنهاية. هناك تصالح مع فكرة الزوال بشرط أن يترك الإنسان خلفه أثراً من الشعر والموسيقى. وهناك صور وموسيقى وإيقاع داخلي في كل قصائده، فثمة موسيقى خفيّة تعكس قلق الروح وسكينتها".
ثم يتناول الدكتور بن تميم صورة الوطن في الديوان فيقول: "يبني منصور في الديوان الوطن الذي يريده في مخيلته، ويصبو إليه، فهو يريد "لبنان الكرامة والحق والجمال"، ويرفض فكرة الوطن المشوّه. كما يرسّخ منصور حرية الإنسان وضعفه، وقدرته على أن يكتشف مجاهيل الذات وصولاً إلى المطلق، حيث يمثل السفر الفردي حالة من البحث عن الذات والمطلق، والتحليق بالروح بعيداً عن قيود الواقع، ضمن رؤية رحبانية تتغنى بالحب والوطن، والروحانية".
وكان لا بد للدكتور بن تميم المتخصص المتعمق في شعر المتنبي من أن يتناول ما يسميه "أبو الطيب في مرايا منصور الرحباني": "في ضوء هذه الشعرية المتفرّدة، كان من الطبيعي أن يصل منصور إلى أبي الطيب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. وأود أن أقتبس ما قاله عن أبي الطيب لأنه يكشف منظوره الذي أقام عليه عمله المسرحي الخالد الذي صُنع بإمكانات إنتاجية عالية وعُرض للمرة الأولى عام 2001 في دبي: "أنا تعاملت مع شخصية أبو الطيب المتبني بالدرجة الأولى من خلال نصوص أبو الطيب، لأنه الشاعر هو في الأساس شعره ونستطيع أن نتعرف إليه من خلال شعره، وهذه كانت بالنسبة لي مرجعية لتكوين فكرة عن شخصية هذا الرجل. ومن ثم اعتمدتُ على مراجع عربية وأجنبية مكتوبة فخلصت إلى نتيجة مغايرة لهذا الرجل. فالرجل بالدرجة الأولى توحيدي بمعنى يريد توحيد العرب، ثانياً خلافاً لاعتقاد الأكثرية وخلافاً للشائعة عن نسب هذا الرجل فهو ليس ابن "سقاء" في الكوفة، إنما ينحدر من أصول عريقة تم التكتم عليها لأسباب سياسية، أبو الطيب المتنبي في مطلع كل قصيدة من قصائده ثمة امرأةً يودّعها.
وكان عاشقاً وحيداً وحبه الأكبر خولة أخت سيف الدولة، على هذا الأساس تعاملت مع إنسان طموحه لا يُحدّ، جاء من الغموض وذهب إلى الغموض. تعاملتُ مع شاعرٍ ما زال منذ أكثر من ألف عام يعود في الشعر كل يوم فينشد قصائده عشرات الألوف من الطلاب في مدارسهم من المحيط إلى الخليج. رجلٌ ما زال يعيش بيننا نستخدم أبيات قصائده في أحاديثنا اليومية، مثل "لا تشترِ العبد إلا والعصا معه"، "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"، "إذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ فهي الشهادة لي بأنّي كامل"، "وضع الندي في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى"، "إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم ".
ويختم الدكتور بن تميم قائلا: "الخلاصة أن منصور الرحباني، الشاعر والموسيقار والفنان، الواسع الأفق والثقافة، الذي أبرز قضايا الإنسان وأشواقه من خلال الشعر والاختيارات الدالّة، والأعمال المسرحية والسينمائية التي تعكس هويّة لبنان، وتحدياته، سيظل يشكل حالةً إبداعية متفرّدة. ولعل ما قاله في "أسافر وحدي ملكاً"، يمثّل المبدع الذي يحمل الوطن في أعماقه، وينطوي على جراحاته وأشواقه، ويمارس إبداعاته بوجد المتصوّف.
قال البيتُ
خذوني معكم
أعطيناه الدمع ورحنا
ويقول:
أصبحتُ ينابيعي في الكل
وصرت النهر
وصرت الماء
فليلغَ البعدُ
فإنّ العشاق اتحدوا
نبض