70 عاماً من الضوء: بعلبك تفتتح صيفها بشراكة مع مهرجان أبوظبي
في بعلبك، مدينة الشمس والحب والصلاة، يعود الصيف ليختبر قدرته على الحياة، ويعود الفن ليؤكّد لنا أن هذه الأرض التي شهدت تعاقب الحضارات وسموّها، لم تكن يوماً مسرحاً عادياً؛ كانت وعداً ثقافياً وحياتياً متجدّداً.
سبعون عاماً مرّت على ولادة مهرجانات بعلبك الدولية؛ سبعون من المراهنة على الجمال في وجه العابر والعنيف، ومن الإصرار على أنّ الثقافة ليست ترفاً أو شكليات أو كماليات، إنّما ضرورة وجود. وفي بيروت، أُعلن أمس عن افتتاح استثنائي يليق بالذكرى: شراكة ثقافية عابرة للحدود، بين مهرجانات بعلبك الدولية ومهرجان أبوظبي، وحفل موسيقي - سينمائي يُدشّن الموسم، ويعيد رسم العلاقة بين الإنسان وذاكرته.
بعلبك والمنجز المتراكم
في المؤتمر الصحافي من قلب المكتبة الوطنية، رسمت مؤسِّسة "مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون" هدى إبراهيم الخميس إطار هذه اللحظة. حديثها احتفاليّ وتأسيسيّ لمعنى الشراكة الثقافية. ترى في مهرجانات بعلبك منجزاً متراكماً عبر السنين، وفي تكريمها واجباً ثقافياً وأخلاقياً.

أمام حشد الصحافيين والأصدقاء، استذكرت كيف كانت تحضر حفلات المهرجانات طفلةً مع أهلها، وشدّدت على أنّ الشراكات الحقيقية لا تُقاس فقط بالموارد، بل بلقاء الفكر، وبالاستثمار في الإبداع كقيمة إنسانية عليا. ومع غابرييل يارد، الفنان المتجذّر في لبنان والمنفتح على العالم، يصبح الاحتفال رسالة موجهة إلى الخارج: لبنان ما زال هنا، يتكلم لغة الفن.
"سنواصل المسير"
من جهتها، أعلنت رئيسة مهرجانات بعلبك الدولية نايلة دو فريج لحظة التحوّل. لم تتحدث عن برنامج بقدر ما تحدثت عن أفق، مؤكّدةً عمق الشراكة التي تجمع مؤسستين ثقافيتين دوليتين غير ربحيتين، توحّدهما قناعة واحدة، قوامها أنّ الحوار الثقافي لم يعد خياراً بل شرطاً للبقاء.
من هنا، جاء الإعلان عن حفل افتتاح موسيقي - سينمائي تكريماً لغابرييل يارد، كاختيار يحمل دلالته الرمزية والفنية في آن. وفي حديث لـ"النهار"، أكّدت "أنّنا معتادون على مواجهة التحدّيات"، مذكّرة: "خلال جائحة كورونا، أقمنا حفلاً من دون جمهور، وفي فترات الهجمات الإسرائيلية قرّرنا المضيّ في تنظيم العروض، رغم عدم يقيننا بإمكان إقامتها. وفي إحدى تلك السنوات، قدّمنا من بين أكثر الدورات إبداعاً في تاريخ مهرجانات بعلبك، مع أوبرا (كارمن) وحفل هبة طوجي مع أسامة الرحباني. وسنواصل المسير".

وأضافت: "هدفنا الأساسي هو الاستمرار. وإذا ما حالت الظروف الأمنية دون ذلك، فذاك شأنٌ آخر، أمّا من موقعنا ومسؤوليتنا، فواجبنا أن نكمل ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً".
هذه الشراكة، التي تجمع مهرجانات بعلبك الدولية بمؤسسة أبوظبي للموسيقى والفنون، ليست وليدة اللحظة. تعود جذورها إلى عام 2011، وتأتي اليوم لتتويج مسار طويل من التعاون، وتبادل الرؤى، والاستثمار في القيمة الثقافية. في هذا التلاقي، تتكامل الجهود والموارد، لا لتكبير الحدث فحسب، بل لتوسيع أثره، وإعادة طرح سؤال الثقافة كقوة ناعمة قادرة على إعادة وصل ما انقطع.
بين لبنان والعالم العربي
من جانبه، حملت كلمة وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة تأكيداً أنّ بعلبك، رغم كل ما مرّ ويمرّ به لبنان، لا تزال تمثّل جوهر الفكرة الثقافية اللبنانية: التميّز، والانفتاح، والصمود. حديثه عن المهرجانات جاء تثبيتاً لدورها كمنصة سيادية للثقافة، وكأحد آخر الرموز التي ما زالت قادرة على مخاطبة العالم بلغة الفن.
وفي حديث لـ"النهار"، شدّد سلامة على أهمّية اتّفاق الشراكة بين لبنان وأبوظبي، "لأنه يصبّ تماماً في إطار سياسة الحكومة التي تدعو إلى إعادة نسج كلّ الوشائج التي تربط لبنان بالعالم العربي الذي بعدنا عنه قليلاً في السنوات الأخيرة ولكننا نعود إليه بقوة". واعتبر أنّ "الوشائج الثقافية هي في طليعة تلك الوشائج التي يجب إعادة صوغها وبنائها بيننا وبين أخوتنا العرب".

ليلة الرابع والعشرين من تموز/يوليو ستكون لحظة احتفالية مركّبة: موسيقى، سينما، معابد، وذاكرة. يلتقي على مسرح بعلبك الأوركسترا السيمفونية الكبرى لبودابست، وعازفون منفردون أوروبيون، وجوقة جامعة الأنطونية، فيما يجلس غابرييل يارد إلى البيانو، محاطاً بجدران معبد باخوس التي ستتحوّل إلى شاشة عملاقة، تُعرض عليها مقاطع من أفلامٍ شكّلت جزءاً من الذاكرة السينمائية العالمية. هنا، لا تعود الصورة خلفية للموسيقى، ولا الموسيقى مرافقة للصورة؛ بل يدخل الاثنان في حوار حيّ، يولّد تجربة حسّية نادرة، تليق بمكان لا يشبه سواه.
غابرييل يارد، الفنان اللبناني - الفرنسي، ليس ضيفاً عابراً على بعلبك. منذ بداياته، وجد في هذه المدينة مصدر إلهام، وفي معابدها صدى لأسئلته الموسيقية. أن تفتتح المهرجانات سبعينيتها باسمه، هو اعتراف بمسار إبداعي عالمي، وبصلة عميقة بين فنان وذاكرة مكان. فالرجل الذي حصد الأوسكار والسيزار وجائزة مهرجان أبوظبي، ورُشّح مراراً لأرفع الجوائز، يعود ليعزف في قلب حجرٍ يعرفه، ولو من بعيد.
"مقاومة ثقافية"
أما تاريخ مهرجانات بعلبك، فهو الحكاية التي لا تُختصر. منذ تأسيسها ومروراً بولادة الليالي اللبنانية مع فيروز والأخوين رحباني، وصولاً إلى عودتها بعد الحرب عام 1997، ظلّت هذه المهرجانات مساحة لقاء بين الثقافات، ومنصة لاكتشاف المواهب، وجسراً بين المحلي والعالمي. توقّفت حين فُرض عليها التوقف، وعادت كلّ مرة أقوى، كأنها تختبر قدرتها الدائمة على النهوض.
وفي مداخلة عبر الفيديو، قال يارد ما كان يمكن للمكان نفسه أن يقوله: العزف في بعلبك حلم، والوقوف بين معابدها شرف، والاحتفال بسبعينيتها فعل إيمان بالثقافة. وصف المهرجانات بـ"المقاومة الثقافية" لم يكن شعاراً، إنما توصيفاً دقيقاً لإصرار منظّميها على الفرح، رغم كل الصعاب.
هكذا، لا يأتي افتتاح مهرجانات بعلبك هذا العام كما غيره من الأحداث الفنية، إنّما يُقدّم نفسه فصلاً جديداً في سيرة مدينة قررت أن تكتب تاريخها بالموسيقى. من بيروت إلى بعلبك، ومن أبوظبي إلى العالم، تُعاد صياغة المعنى: أنّ الثقافة، حين تُصان وتُشارك، تصبح لغة مشتركة، وذاكرة حيّة، ووعداً لا يسقط.
نبض