الدكتور عبد الحافظ شمص
مِنَ النّاس مَن يُجالسكَ ولا يتركُ أثرًا، بل إنّك لاتشعر به وإن لساعاتٍ أو أيّام. ومن النّاس مَن يلوح لك طَيْفه، كوجه البدر، من خلال الضّباب المتلبّد، فيشعّ من نورانيّته مجلسك ويمتلىء كيانكَ بأُنسِهِ، وترجو أن تدوم في هذه الرُّؤيا ، مادام فيكَ شوقٌ يطلبه. بل إنّكَ لَتتمنّى أن تكون هذه الرّؤيا صحيحة وصادقة ، وأن تكون هي الجنّة التي يسكنُها الشُّعراء. ولعلّ ديوان شاعرنا الدكتور همدان سليمان الذي قدّم له الدكتور أسعد سكاف النقّاش هو هذا الطّيف، ولكنّه ما كان لِيحتاج إلى جاهٍ ولا إلى دليل.
الدكتور همَدان سليمان، ابن بلدة بُدنايل البقاعيّة، وارث تقاليدها ونعائمها والمُشبَع التصاقًا بها وبناسها، حتى صار لكلّ حجَرٍ من بناياتها، هوىً في قلبه، ولكلّ شجرةٍ في حدائقها الغنّاء وبساتينها ومزارعها الواسعة، صُحبةً
في أعماقه. واستطرادًا، ما كان شعر الدكتور همدان سليمان لِيحتاج إلى دليل. إنّه الشِّعر الذي قال عنه:
السّيفُ سطَّرَ للتّاريخ قصّته،
وراح يكتبُ شعرًا دائم الأثرِ
قضيتُ ستّين حوْلاً في
الجهاد، رِضىً
والدّهرُ يزأَرُ بين السَّمْع
والبصرِ.
وحسبُه أيضًا من هذه القافلة، أَنّه يُقدِم على حمْلها وقد تندّى أريجُها بالمحسنات من الصًوَر الشعريّة التي تدخل السّحر وتنقلكَ إلى غير وجود. شِعرُه صورة هذه الحياة ينقلها بأمانةٍ. هو شاعر الأُبُوّة بأسمى معانيها في قصائده إلى ولده وإلى ابنته وإلى زوجته التي تُطالعُنا في هذا الدّيوان، قد بلَغَ شأْوًا بعيدًا في صدق الإحساس والكرَم وحلاوة التّعبير وجمال الصّوَر وصفائها، في ديوان ليس غًِناءً كلّه، بل للمناسبات، به النصيب الأكبر. إذ أنّ الشاعر لم ينسَ رفاقه وأهله وعشيرته، فقد خاضَ في المديح والتًَهاني والرّثاء والغزل غِمارَ المواضيع التّقليديّة، وقد شكَّ فوق كلّ رايةٍ علَمًا، فهو يَدٌ على يومه وزمانِه وقلبِه، ويدٌ في يَد زملائه ورفاقه الشعراء، يُرَنِّمًُ لسانُه بأجوَد الكلام والعِبارات.
ولم أَقُل، أنا، بعد، كلّ ما يجب قَوْله في شعر هذا الشّاعر الذي يستحقّ كلّ الحُبّ.. ولِمَ الإطالة، في وقت أنّ الشِّعر أوٍسَعُ من أن يخض لتحديد، أو أن يُحيط به تعريف. فحَسْبي وحسْبُ القارىء الكريم، ما لديْنا من هذه
القصائد العصماء التي تُعبّرُ عن نفسها وعن نفس شاعرها وعمّا تختلج به النّفوس في أحيانٍ كثيرة فتوقظ ذكريات من حياتنا وتُدْخِلُ السّعادةَ إلى قلوبنا.
وقد تناوب في شعره مع التّعبير المباشر عن العواطف وعوالمها ، حتى لَتَشعر بِيَراعه الأليف الذي يخطّ المعنى ويبثّ الحرارة التي تُطلِق الصّيحة المُدوّية، أو الهمسة المُشبّعة بالحنان والبَوْح، وتنثرُ الغِبطة التي تَنتزَع من القشعريرة الإنسانيّة من الأعماق، مُشاركًا مثاله في القِيَم.
وإذا ماتساءَل القارىء عن وعي الصّديق الشاعر همَدان سليمان، فإنّ الجواب، سرعان ما يتجلّى من خلال الجمع بين الشعر والأدب وناسَهُما، من جهة والحرّيّة من جهة أُخرى. وهُنا لُبّ الدّينامية الحُرّة والواعية.
ومن منطلَق هذه الدّيناميّة الحُرّة ، فيكون البُعد الإنساني الأخّاذ في الشعر، بل ينبلج فجرًا جديدًا في حقيقة الفلسفة الإنسانيّة التي يُؤمّن بها الشّاعر. إنّها الحقيقة التي نحنُ بأمَسّ الحاجة إلى التّمسُّك بتلابيبها في زمن الهذر الطائفي والمذهبي اللذَيْن نعيشهما اليوم في وطننا الحبيب، لبنان.
مقتطفات من شعره:
منكِ الجَمال ومنّي الرّسمًُ والصُّوَرُ
منكِ الفنون ومِنّي العشقُ والسّهَرُ
فأنتِ في كُنْهِ هذا الشًّعر زنبقةً
تضوعً منها، وحينًا فيه تستعرُ
يابسمة الأملِ الآتي وساحِرتي
يابهجة العمر يحلو لي بكِ العُمُرُ…
ومن قصيدة له للشاعر المعلّم سعيد عقل:
ياعقلُ، شِعرُك في الآفاق مُنتشرٌ
تلك النّجوم هَوَت كما سَمَت فِكَرُ
من أين وافَتْكَ آيات خُصِصْت بها
تسبي العقولَ كما لَوْ مسّها خدَرُ
فالبَدْعُ عندكَ سرٌّ، أنت سيّده
روائع الشّعر، كيف الشّعر يُبتَكَرُ؟
نبض