"أرض الميعاد"... سقوط الأدب في فخّ الأيويولوجيا

ثقافة 17-01-2026 | 11:26

"أرض الميعاد"... سقوط الأدب في فخّ الأيويولوجيا

  تدور أحداث الرواية في فيينا وفلسطين، أوائل القرن العشرين، وتتمحور حول شخصيتي: الدكتور فريدريش لوينبرغ، والرجل الثري مستر كينجسكورت اللذين تتشابه ظروفهما، وتتقاطع مساراتهما، ويؤولان إلى مصير واحد.
"أرض الميعاد"... سقوط الأدب في فخّ الأيويولوجيا
كتاب "أرض الميعاد".
Smaller Bigger

  سلمان زين الدين


  يرتبط اسم تيودور هرتزل، في التاريخ الحديث، بتأسيسه الحركة الصهيونية، في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، التي خطّطت ونفّذت أكبر عملية سطو، في التاريخ، باستيلائها على الأرض العربية في فلسطين، في إطار مشروع استعماري غربي، وفي ظلّ عجز عربي مطبق عن التأثير في موازين القوى وتغيير مجرى الصراع.  وهرتزل، في الأصل، صحافي وكاتب مسرحي وناشط سياسي، يتحدّر من أصول نمساوية ـ مجرية. غير أنّ شهرته تعود إلى تأسيسه تلك الحركة تنظيراً وتطبيقاً، فوضع الأسس النظرية لها في كتابه الذائع الصيت "الدولة اليهودية"، ووضع الأسس التطبيقية في روايته "أرض الميعاد"، موضوع هذه القراءة، الصادرة مؤخّراً عن دار الرافدين، في بغداد وبيروت، بتعريب عماد أبو أحمد عن الألمانية مباشرة. وبذلك، يوظّف هرتزل الأدب في خدمة الأيديولوجيا. وكثيرة هي القرائن النصّية على هذا التوظيف. 

 

 خيانة وغدر
  تدور أحداث الرواية في فيينا وفلسطين، أوائل القرن العشرين، وتتمحور حول شخصيتي: الدكتور فريدريش لوينبرغ، والرجل الثري مستر كينجسكورت اللذين تتشابه ظروفهما، وتتقاطع مساراتهما، ويؤولان إلى مصير واحد؛ ذلك أنّ اليأس الذي يتردّيان فيه يشكّل قوّة دفع للعلاقة بينهما، على مدى أكثر من عشرين عاماً، تنتهي بأن يتّخذان الخيار نفسه، في نهاية الرواية. ففي الوقائع الروائية، تُشكّل خيانة زوجة كينجسكورت له مع ابن أخيه نقطة تحوّل في مجرى حياته، فيكره البشرية جمعاء، ويقرّر الاعتزال في جزيرة من أرخبيل كوك في بحر الجنوب. وبالتزامن مع هذه الواقعة، يأتي تخلّي حبيبة لوينبرغ عنه في خطوة مفاجئة وخطبتها من رجل غني ليشكّل نقطة تحوّل في مجرى حياته، فيخرج من بيتها يائساً، وفي غمرة اليأس، يطّلع على إعلان طريف نشره الأوّل، يعلن فيه عن حاجته لرفيق في رحلة أخيرة، فيتصل به، ويتفقان على السفر معاً، وتكون نقطة التقاطع الأولى بين المسارين. 

أرض الميعاد
أرض الميعاد

 

 

 بؤرة تخلّف
 غير أنّهما في الطريق إلى المعتزل المقصود، يُقرّران التعريج على فلسطين، في خطوة غير مبرّرة روائيًّا، ما يجعل منها واقعة مفتعلة، يفتعلها الكاتب، في إطار الترويج لمشروعه الصهيوني؛ ذلك أنّه يتّخذ من هذه الواقعة ذريعة للقول إنّ فلسطين، في تلك المرحلة السابقة لهجرة اليهود إليها، كانت بؤرة تخلّف، فلدى وصول الزائرَيْن إلى ميناء يافا كان "كلّ شيء مهملاً إلى درجة كارثية، فلقد كان مرفأ المدينة بائساً [...] كانت حارات المدينة ممتلئة بروائح كريهة تُطبق على الصدور وكأنّها تفوح من القبر.

 

هكذا، وجدا المدينة بحراً عائماً من القذارة يحيي في الأذهان الصورة البائسة للشرق القديم. أتراك فقراء، عرب أقذار، ويهود يتجوّلون في المكان في خوف. كان الكسل والتشرّد والكآبة منتشرين في كلّ مكان" (ص 83). ومن الواضح أنّ الكاتب لم يفتعل واقعة التعريج على فلسطين إلّا ليخرج بطلا روايته بهذا الانطباع السلبي عن المكان. وهو ما سيكرّره لاحقاً، للخروج بانطباع إيجابي، فيجعلهما، وهما في الطريق إلى أوروبا، بعد عشرين عاماً من اعتزال العالم في الجزيرة الجنوبية، يعرّجان على فلسطين مجدّداً، ويطّلعان على التقدّم الكبير الذي تحقّق فيها، لكي يعزوه، بطبيعة الحال، إلى هجرة اليهود إليها، فيجعل من الأدب أداة في خدمة الأيديولوجيا. 

 

 محطّات مختلفة
  في سبيل تحقيق هذه الغاية، يصطنع هرتزل مجموعة محطّات يتوقّف عندها الزائران المعرّجان، فيضع في طريقهما، حين يصلان إلى ميناء حيفا، الشاب دافيد ليتفاك الذي ما إن يرى الدكتور لوينبيرغ حتى يهرع إليه معرّفًا بنفسه، ليتبيّن أنّه الصبي المتسوّل الذي كان قد صادفه أمام مقهى بيركين رايس في فيينا، منذ عشرين عامًا، وأنقذ أسرته من براثن الجوع مستعينًا بصديقه  الثري كينسجورت، وقد أصبح شابًّا وناشطًا سياسيًّا في المجتمع الجديد الناشئ عن الهجرة اليهودية إلى فلسطين، فيحتفي بهما، ويستضيفهما في قصره، وينظّم لهما مجموعة زيارات، تشمل حيفا والقدس وطبريّا والبحر الميت والقنيطرة وغيرها، يلتقيان خلالها بمجموعة من المختصّين، يطلعونهما على الحياة في المجتمع الجديد، من مختلف جوانبها، فتتشكّل من اللقاءات المختلفة صورة لمجتمع مثالي، هو أقرب إلى مدينة فاضلة أو جمهورية أفلاطون، وهنا يبلغ التوظيف السياسي للأدب الذروة.

 

وتتمظهر هذه المثالية في: مجتمع اشتراكي متنوّع، تضامن اجتماعي قوي، ديمقراطية سياسية متقدّمة، جمال طبيعي خارق، بنية تحتية متطوّرة، تقدّم علمي واضح، موارد طبيعية غنية، صناعات كيميائية مزدهرة، طاقة مائية منظّمة، مولّدات كهربائية حديثة، وغيرها. وخلال هذه المحطات، تنشأ علاقات إنسانية مختلفة بين الزائرين والأسر التي تعرّفا إليها، تتراوح بين الصداقة والأبوة والحب، فيتعلّق كينجسكورت المسيحي، كاره البشر، الساخر منهم، المتنمّر عليهم، بالطفل فريدريش، ابن دافيد، ولا يطيق الابتعاد عنه، من جهة، وينجذب لوينبيرغ اليهودي، الخارج من صدمة عاطفية،  إلى الصبية الجميلة مريم، شقيقة دافيد، ويطلب يدها، من جهة ثانية. ويترتّب على هاتين العلاقتين الشخصيّتين، معطوفتين على ما شاهداه من التقدّم العام، أن يقرّرا البقاء في فلسطين.

 

وكأنّ الرواية لم تكتب إلّا لتحقيق هذا الهدف، والترويج للهجرة إلى أرض الميعاد، لاعتبارات دينية وسياسية واستعمارية مختلفة. 

 

  هذه الصورة اليوتوبية التي يرسمها هرتزل للمجتمع الجديد لم يُقيّض له أن يشاهدها لأنّه توفي في العام 1904 بينما التخييل في روايته يعود إلى العام 1925. على أنّه لو قُيّض له أن يبقى حيًّا، إلى مرحلة لاحقة، لشاهد بأمّ العين الفظائع التي سيرتكبها المجتمع الجديد الذي يبشّر به ويروّج له.

 

 خطيئتان اثنتان
  في "أرض الميعاد"، لم يكتف هرتزل بالإساءة إلى الأدب حين جعله في خدمة الأيديولوجيا، بل يتعدّى ذلك إلى الرواية، سواء حين افتعل وقائع غير مبرّرة روائيًّا كواقعتي التعريج على فلسطين، في الذهاب إلى الجزيرة الجنوبية والإياب منها، رغم وجود عشرين عامًا بين الذهاب والإياب. أو حين ينسب إلى الشخصيتين المحوريتين سلوكيات تتنافى مع طبيعتهما، فيقترح كاره البشر على رفيقه التعريج على "موطن أجداده"، ويوافق البائس الطالع للتوّ من صدمة عاطفية على الاقتراح. أو حين يتحوّل الحوار على ألسنة الشخوص المختصين إلى مطوّلات وخطب.

 

أو حين  يتحوّل التسجيل الصوتي الذي يروي قصّة هجرة اليهود إلى فلسطين إلى محاضرة مملّة، تشغل 49 صفحة من الرواية، وغيرها من الأعطاب البنيوية في الرواية. وبذلك، يرتكب الكاتب في "أرض الميعاد" خطيئتين اثنتين، في الشكل؛ تتمثّل الأولى في جعل الأدب أداة في خدمة الأيديولوجيا، وتتمثّل الثانية في ليّ عنق الرواية وتحويلها إلى خطاب أيديولوجي ضاربًا عرض الحائط بروائيتها. ناهيك عن الخطيئة الأكبر، في المضمون، المتمثّلة في تشجيع هجرة من لا يملك إلى أرض مملوكة وطرد مالكيها منها. إنّه الوجه الأدبي البشع للمشروع الصهيوني بامتياز.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 1/15/2026 1:08:00 PM
وزير الخارجية السعودي يجري اتصالات إقليمية لبحث تطوّرات الأوضاع في المنطقة
تحقيقات 1/16/2026 7:10:00 AM
على مسمع ومرأى العالم الذي تركهم يواجهون مصيرهم، يقوم سكان تجمع رأس شلال العوجا حالياً بتفكيك مساكنهم البسيطة، ويحمّلون مقتنياتهم بواسطة شاحنات صغيرة.
المشرق-العربي 1/16/2026 8:59:00 AM
برّاك: "الولايات المتحدة لا تزال على اتصال وثيق بجميع الأطراف في سوريا"
المشرق-العربي 1/16/2026 10:37:00 AM
"سانا": خروج مدنيين من قرية المبعوجة التابعة لمنطقة دير حافر في ريف حلب عبر طرق فرعية وزراعية خطرة