مئوية منصور الرحباني (3 من 8): ذكريات طريفة في مخفر الجميزة

ثقافة 17-01-2026 | 11:13

مئوية منصور الرحباني (3 من 8): ذكريات طريفة في مخفر الجميزة

ذكريات من سيرة منصور الرحباني الشخصية ومسيرته الفنية مع شقيقه عاصي.
مئوية منصور الرحباني (3 من 8): ذكريات طريفة في مخفر الجميزة
منصور الرحباني: الشرطة ليست مهنتي
Smaller Bigger

في الأَسابيع الأَخيرة من مئوية منصور الرحباني (آذار/مارس 2025 - آذار/مارس 2026) أَعود إِلى ذاكرة منصور (1925- 2009). ومن جلساتي الطويلة معه، أَقطف ذكريات من سيرته الشخصية ومسيرته الفنية مع شقيقه عاصي (1923-1986). تفاصيل من هذه الذكريات ورَدَ قسمٌ منها في كتابي "طريق النحل" (2001)، وقسمٌ ثانٍ في طبعته المزيدة "في رحاب الأَخوين رحباني" (2015)، وبقي في أَوراقي قسمٌ ثالث أَخير لم يَصدُر بعد، أُورِدُه في هذه السلسلة.
هنا الحلقة الثالثة عن أَحداث جرَت مع منصور خلال "وظيفته" في الشرطة العدلية. 

مسدس خشبيّ في بيت جلْديّ
ليلة ١٠ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٤٣ جاء الليوتنان بوتيُّون (رئيس الدائرة في الأَمن العام الفرنسي) ووزَّع على رجال الشرطة في النظارة بندقياتٍ صغيرةً صدئة. قال: "كونوا مستعدِّين. الليلة سيجري حدث مهم". ولم يكُن منصور يُحسن التصويب ولا إِطلاق النار. والمسدس الْكان مفترَضًا أَن يَحملَه، استبدلهُ بقطعة خشبية على شكل مسدس، كان يَدُسُّها في البيت الجلدي كي يوهم رؤَسائه أَنه يحمل مسدسه.

 

مخفر الجميزة اليوم: ثكنة زهير جودي. (تصوير نبيل إسماعيل)
مخفر الجميزة اليوم: ثكنة زهير جودي. (تصوير نبيل إسماعيل)

 

في تلك الليلة، وضع الليوتنان بوتيُّون في تصرف منصور جنديًا سنغاليًا لا كان يفهم على منصور ولا كان منصور يفهم عليه. لم يَخطر في باله أَنَّ "الحدث المهمّ" ليلتئذٍ كان اعتقالَ الفرنسيين رئيسَ الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح إِلى مكان مجهول. لكنَّ صديقًا لمنصور كان متعاملًا مع الأَمن العام الفرنسي، همس له في اليوم التالي أَنه هو الذي قاد السيارة العسكرية إِلى قلعة راشيا حيث تمَّ اعتقال سائر الموقوفين.

منصور أَخبَرَ عن معتقل راشيَّا 
لم يكُن أَحدٌ في بيروت يعرف شيئًا عن مصير الرئيس المخطوف. هرعَ منصور إِلى منـزل إِدوار أَبو جودة (وكان من أَركان الكتلة الدستورية التي يرئسها الشيخ بشارة الخوري) وأَبلغَه ما سمع بأَنَّ الرئيس وصحبه موجودون في قلعة راشيا، فتحرَّكَ أَبو جودة على الفور.

 

قلعة راشيا سنة الاعتقال (1943)
قلعة راشيا سنة الاعتقال (1943)

 

بعد عشرة أَيام، صادف بوتيُّون يمشي في الشارع متَدروشًا بثياب عتيقة، ففهم منصور أَن الفرنسيين غُلبوا على أَمرهم، وأَنَّ الرئيس وصحبه باتوا طليقين. يومئذٍ (٢٢ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٤٣) اشتعلت بيروت بمظاهرات الابتهاج، فحمل بوتيُّون إِلى رجال الشرطة بنادقَ عتيقةً، تحسُّبًا لأَيِّ هجوم على المخفر. لكن منصور ترك البندقية جانبًا وراح يهتف مع المتظاهرين.

الشيخ بيار الجميِّل في القاووش 
في تلك الفترة، وصلَ منصور من أنطلياس إِلى دوام وظيفته في النظارة، ففوجئ بين الموقوفين الجدُد بالشيخ بيار الجميِّل مُضَمَّدَ اليد. صرخ به" "شيخ بيار؟ شو باك هون"؟ فأَجاب الشيخ بيار: "إِنتَ مين"؟، أَجاب: "أَنا منصور ابن حنا عاصي من أنطلياس". قال الشيخ بيار: "أَبو عاصي! عرفتُه. روح قول لرئيسك الليوتنان بوتيُّون يُطلق سراحَنا وإِلَّا سيواجه مشكلة كبيرة". وقبل أَن يَخرج منصور إِلى بوتيُّون ليُبْلِغَه، قام بجولة على الزنزانات الباقية فوجدَ في إِحداها الياس ربابي، وفي أُخرى فؤَاد صوايا (كان محافظ الجنوب). وفهمَ أَن معركةً حصلت بين الفرنسيين والشيخ بيار وأَعوانه. وطويلًا بعدها، ظلَّ الشيخ بيار يذكُر في جلساته الخاصة أَنه كان "موقوفًا في قاووش منصور الرحباني".

 

الشيخ بيار الجميل هدَّد الضابط الفرنسي.
الشيخ بيار الجميل هدَّد الضابط الفرنسي.

 

كشف الشيفرة في سهرات الصبايا
من مرحلة الأَمن العام الفرنسي أَيضًا، يروي منصور أَنَّ الضباط الفرنسيين كانوا يعطونه "شيفرة" الحلفاء السرية كي يُحرقَها ويُتلفَ ما فيها. سوى أَنه كان يُخبِّــئُها في جيبه، ويذهب في السهرات عند الصبايا يُطلِعُهُنَّ على كل ما فيها ويشرحُ لهُنَّ رموزها وأَسرارها. ومن أَجل تلك السهرات عند الصبايا، استحصلَ يومًا على تقرير طبي "يزعم" أَنه لا يستطيع انتعال الجزمة العسكرية. وذلك كي يبقى بحذائه العادي الأَنيق مستعدًا للهرب إِلى سهرات وحفلات موسيقية كان يعزف فيها. كل ذلك انتقامًا: فهو كان على جدل دائم مع الفرنسيين، ولو ضدَّ مصلحته الوظيفية، لأَنه كان يرفض احتلالهم ولو تحت ستار الانتداب.

بعد فترة، تَـمَّ نقْلُهُ إِلى كركول (مخفر) الجميزة. وهناك التقى أَحد المسنِّين في الحي، حين عرف أَنه "الأَفندي" الجديد في المخفر، قال مدهوشًا: "أَنت ابن حنا عاصي؟ من هنا أَبوك أَقفل كركول الجميزة بالمسدس. وظلَّ يطلق النار على الدرك فيه حتى هربوا وفرغ الكركول". 

 

منصور الرحباني: الشرطة ليست مهنتي
منصور الرحباني: الشرطة ليست مهنتي

 

نام منصور في سرير زميله
في تلك الفترة كذلك جرت حادثة لافتة: زحَف بعض المواطنين على البرلمان لاستبدال العلَم اللبناني بالعلَم الفرنسي. يومها أَطلق النائب نعيم مغبغب النار على مَن كان يرفض استبدال العلَم فأَرداه. ووسط تلك المظاهرة الصاخبة التي كان مطلوبًا أَن يتصدى لها رجال الشرطة، فوجئَ منصور بوالده حنا عاصي بين المتظاهرينن جاء لهيفًا يسأَل عنه، خوف أَن تتطور المظاهرة إِلى معركة بالرصاص ويكون منصور بين الجمع. وظل منصور طويلًا يذكر كيف يومها عانقَه والده بحنانٍ وهو دامع العينين.

ومن ذكريات مخفر الجميزة، أَن تفشَّى داء السحايا الدماغية، وهو يفرض الحجْر على المرضى. عيَّنوا منصور أَن يَحجُر على سكان بيتٍ عند شاطئ البحر، فلم يَمتثل، لخوفه من الليل والبحر، وبقي في المخفر. وحين داهم المفتش المخفر، اندسَّ منصور في سرير زميله الشرطي بشارة عساف، كي يظن المفتش أَنَّ النائم هو بشارة، وأَنَّ منصور الرحباني خرج فعلًا لتنفيذ الحجْر على سكان البيت عند الشاطئ، فانقَضَت الحيلة.

الحلقة المقبلة: كيف نام منصور على أَكياس الطحين


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 1/15/2026 1:08:00 PM
وزير الخارجية السعودي يجري اتصالات إقليمية لبحث تطوّرات الأوضاع في المنطقة
تحقيقات 1/16/2026 7:10:00 AM
على مسمع ومرأى العالم الذي تركهم يواجهون مصيرهم، يقوم سكان تجمع رأس شلال العوجا حالياً بتفكيك مساكنهم البسيطة، ويحمّلون مقتنياتهم بواسطة شاحنات صغيرة.
المشرق-العربي 1/16/2026 8:59:00 AM
برّاك: "الولايات المتحدة لا تزال على اتصال وثيق بجميع الأطراف في سوريا"
المشرق-العربي 1/16/2026 10:37:00 AM
"سانا": خروج مدنيين من قرية المبعوجة التابعة لمنطقة دير حافر في ريف حلب عبر طرق فرعية وزراعية خطرة