السينما الإيرانية: تاريخٌ من الإبداع تحت الرقابة

ثقافة 15-01-2026 | 12:11

السينما الإيرانية: تاريخٌ من الإبداع تحت الرقابة

وسط احتجاجات إيران، يعود الاهتمام العالمي بالسينما الإيرانية بوصفها وثيقة للمجتمع. هذا الدليل يقدّم تاريخاً مركزاً وروّاداً وأهم الأفلام التي صنعت سمعة إيران على الشاشة.
السينما الإيرانية: تاريخٌ من الإبداع تحت الرقابة
مشهد من فيلم "انفصال" لأصغر فرهادي. (IMDb)
Smaller Bigger

في كل مرة تهتزّ فيها إيران على وقع احتجاجات واسعة، يعود سؤالٌ قديم بصيغة جديدة: كيف استطاعت السينما الإيرانية أن تصبح "قوة ناعمة" عالمية، فيما البلد يعيش توتراً سياسياً واجتماعياً متكرراً؟

الاحتجاجات الأخيرة التي بدأت أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025 على خلفية تدهور اقتصادي وانهيار العملة، ثم اتسعت إلى تظاهرات وشعارات سياسية، ترافقَت مع انقطاعات واتصالات محدودة وإجراءات أمنية مشددة في مناطق عدة. هذا السياق تحديداً يذكّر بأن السينما الإيرانية أرشيف حيّ للمجتمع، ولغة ملتفّة على الرقابة، وأداة لتوثيق ما لا يُقال مباشرة. 

لماذا تُعدّ السينما الإيرانية مهمّة عالمياً؟
1- اقتصاد الحكاية تحت الضغط: تحت قيود الرقابة والتمويل، طوّرت السينما الإيرانية أسلوباً يقوم على البساطة الظاهرية والعمق الرمزي: تفاصيل يومية صغيرة تُخفي أسئلة كبرى عن العدالة والسلطة والأخلاق والطبقة والمرأة.

 

لافتةً تدعو إلى عودة رضا بهلوي خلال تظاهرة في برلين. (أ ف ب)
لافتةً تدعو إلى عودة رضا بهلوي خلال تظاهرة في برلين. (أ ف ب)

 

2- ابتكار لغة سينمائية خاصة: المزج بين الوثائقي والروائي، استخدام ممثلين غير محترفين، والاعتماد على الإيحاء بدل التصريح. هذه ليست "حِيلاً" فقط؛ إنها مدرسة جماليات كاملة ارتبطت باسم إيران في السينما الفنية. ويُشار إلى أثر عباس كيارستمي تحديداً في توسيع حدود السرد بين الوثيقة والخيال.

3- حضور عالمي رغم المنع: مفارقة لافتة: كلما ضاقت المساحة داخلياً، اتسع الصدى خارجياً. جوائز كبرى (الأوسكار، كانّ، برلين، البندقية) تحولت إلى "نوافذ" يرى عبرها العالمُ إيران، لا كعنوان سياسي فقط، إنما كمجتمع بأحلامه وتناقضاته.

خريطة تاريخية سريعة: من "الموجة الجديدة" إلى السينما المعاصرة
1- جذور "الموجة الجديدة" (أواخر الستينيات والسبعينيات)
يُنظر إلى أواخر الستينيات كنقطة انطلاق لسينما إيرانية مختلفة عن السائد التجاري، أكثر التصاقاً بالواقع وأكثر جرأة في النقد الاجتماعي. من الأعمال المفصلية آنذاك، فيلم "البقرة" (1969) للمخرج داريوش مهرجوي، وغالباً ما يُستشهد به كعمل تأسيسي في "الموجة الجديدة" الإيرانية.

 

مشهد من فيلم ”البقرة“ لداريوش مهرجوي. (أرشيفية)
مشهد من فيلم ”البقرة“ لداريوش مهرجوي. (أرشيفية)

 

في تلك المرحلة أيضاً، برزت أسماء مثل بهرام بيضائي (لغة أسطورية/تاريخية مع نقد معاصر)، ومسعود كيميايي (حسّ المدينة والهامش)، وغيرهم ممن صنعوا انتقالاً من السينما الاستهلاكية إلى سينما تحمل موقفاً.

2- ما بعد 1979: سينما تعيد اختراع نفسها
بعد الثورة، تغيّرت الشروط الإنتاجية والرقابية، لكن السينما لم تتوقف؛ بل أعادت بناء أدواتها. هنا يبرز مسار سيصبح لاحقاً الأكثر شهرة عالمياً: سينما الواقعية الشعرية، حيث الطفل، والقرية، والطريق، والحوارات البسيطة، تتحول إلى فلسفة كاملة.

3- عباس كيارستمي: الاسم الذي فتح الباب للعالم
يُقدَّم عباس كيارستمي في مصادر سينمائية مرجعية بوصفه "الأكثر احتفاءً" بين المخرجين الإيرانيين، وصاحب تأثير عالمي في المزج بين الوثائقي والروائي وتكثيف الدراما الإنسانية. ومن أبرز أعماله المتداولة عالمياً: "كلوز أب" (1990) و"طعم الكرز" (1997)، وهو عملٌ يناقش أسئلة الحياة والاختيار بصورة تأملية.

 

مشهد من فيلم ”طعم الكرز“ لعباس كيارستمي. (برايم فيديو)
مشهد من فيلم ”طعم الكرز“ لعباس كيارستمي. (برايم فيديو)

 

4- جعفر بناهي ومحمد رسول أف: "سينما تحت الحصار"
في السنوات الأخيرة، تُقدَّم سينما جعفر بناهي غالباً بوصفها "سينما مقاومة" تُصوّر المجتمع من داخل القيود، مع اهتمام واضح بحكايات النساء وآليات السلطة اليومية.

فوز بناهي بـ"السعفة الذهب" في كانّ 2025 عن "حادث بسيط" أعاد تسليط الضوء عالمياً على العلاقة بين الفن والقمع والحرية في إيران، وخاصة أنّه واصل صناعة أفلام رغم القيود والمنع. أما رسول أف، صاحب "لا يوجد شيطان"، فقد فاز عنه بـ"دبّ" برلين، ولاحقاً بجائزة السلام في مهرجان لوكارنو السينمائي.

وخلال موجة الاحتجاجات الأخيرة، ظهر أيضاً موقف علني لبناهي ورسول أف عبّر عن "قلق شديد" إزاء "القمع السافر" الذي تتعرّض له حركة الاحتجاج في إيران. وفي بيان مشترك، أكّدا أنّ "النظام الإيراني قطع وسائل الاتصال داخل البلاد" و"حجب كلّ إمكانات التواصل مع العالم الخارجي".

 

“حادث بسيط“ لجعفر بناهي. (NEON)
“حادث بسيط“ لجعفر بناهي. (NEON)

 

5- أصغر فرهادي: الواقعية الأخلاقية التي كسبت الأوسكار
مع أصغر فرهادي، دخلت السينما الإيرانية طوراً جماهيرياً - عالمياً جديداً: دراما منزلية محكمة، صراع أخلاقي شديد الحساسية، وشخصيات "عادية" تتحول إلى مختبر للعدالة والصدق والطبقة. وفيلم "انفصال" (انفصال نادر وسمين) فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2012، وهو أول أوسكار من هذا النوع. كما فاز "البائع" بالأوسكار عام 2017 وفق تغطيات دولية.

كيف تلتقط السينما ما يحدث الآن؟
الاحتجاجات الأخيرة، المؤطرة اقتصادياً في بدايتها ثم السياسية لاحقاً، ترافقت مع تقارير عن إغلاق/اضطراب في الاتصالات والإنترنت، وقلق واسع في الشتات الإيراني بشأن الوصول إلى الأخبار. هذه "الفجوة المعلوماتية" هي بالضبط المساحة التي تتسلل منها السينما: تحويل الخوف، الصمت، الانقطاع، والهمس اليومي إلى قصص.

ولهذا غالباً ما ترتفع قراءة الجمهور لأي مادة صحافية تربط بين: الحدث السياسي الراهن ولغة السينما الإيرانية بوصفها وثيقة اجتماعية، لأنها تمنح القارئ مدخلاً إنسانياً لفهم بلد معقّد، بعيداً عن العناوين الصلبة وحدها.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 1/14/2026 10:41:00 AM
صنّفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ثلاثة فروع لجماعة الإخوان المسلمين كمنظّمات إرهابية.
اقتصاد وأعمال 1/12/2026 4:51:00 PM
يُنظر إلى سقوط النظام على أنه ضربة حاسمة أضعفت مسار النفوذ الفارسي الإقليمي الذي كان يربط طهران بدمشق مروراً ببغداد وبيروت.
المشرق-العربي 1/13/2026 4:20:00 PM
 الأجهزة الأمنية باشرت التحقيق في الحادثة، وسط إجراءات أمنية مشددة، من دون صدور تفاصيل إضافية حتى الآن.