"عمائم العبوديّة"... جهاد الزين يعرّي الفكر الظلامي الأصولي
محمود شريح
جهاد الزين، صديقاً عزيزاً ورفيقاً مضيئاً، على مدى خمسين، من ساقية الجنزير حين اقترن برغده النحّاس، إلى كليمنصو، وقد زوّج ابنتيه، فاستراحَ ولم يلقِ سلاحه، في جديده "عمائم العبوديّة: تأمّلات في انحطاط الأُصوليّتين السنيّة والشيعيّة" (دار نلسن، 2026، تصميم وإخراج رويدى حامد)، يرى أن التيار الأصولي نقلَ الجحيم الإلهي المفترض إلى جحيم إنساني، ليس الله الذي يعاقب بل مجموعة حرّاس نصّبوا أنفسهم جلّادين، فالدين لدى الأصوليين ليس وعداً بل محض عقوبة أرضيّة، ذلك أنّ وجهة القتل الموعودة هي الافتراض السمائي لكن الأرض هي الجحيم الوحيد، وعليه يجب أن يدخل البشر في المرجل الواضح، في العراء المذْنِب الذي ينقلهم إلى الوجهة الوحيدة التي يحضِّرها القَتَلة الأُصوليون المطهِّرون، فلا مطهر في الجحيم الديني الأصولي بل وعاء التعذيب الدائم.
ويستفيض الأُستاذ الزين في تعرية الفكر الظلامي فيرى أنّ كلّ فكر أصولي لهو فكر عقابي، فالدين يتحوّل مع الأصوليّة، مسلّحةً كانت أم لا، إلى عملية عقابية مطلقة، فوحدهم التكفيريون يملكون ادّعاء وجود مفاتيح ليس فقط الإفلات منها بل أيضاً وأساساً مكافأة من يشبههم بنقيضها: نساء عاريات في الجحيم، لا حريّة للعراء سوى في الجحيم، وهذا الربط بين العراء والتعذيب يحصر الجسد في أَتون الخطيئة الدائمة وبهذا المعنى الأصولي يحتكر متعة الجسد البشري ويضع قواعدها.

المحاولة التي يقوم بها الأستاذ الزين في هذا الكتاب هي رصد التناقض الجوهري بين الأصولية والحرية، ناهيك عن رصد المحتوى الثقافي الهزيل لكل تجليّات الدعوة الأصوليّة في السياسة، وسهولة الانتقال من البعد الديني للعقاب إلى البعد البشري للتنكيل بالآخر، فيرى انّها كتابة سياسية في النهاية لا تحمل أيّ ادّعاء فنّي تنطلق من المُعاش الواقعي الذي خبره جيله على مدى عقود.
هي مساهمات عقدها في أوقات مختلفة بين 2020 و2024 ما عدا محاضرة ألقاها بدعوة من وزيرة الثقافة البحرينيّة الشيخة مي آل خليفة عام 2019 وكان في ذهنه دائماً المؤلِّف الثاني أن يرصد الخطاب الأصولي كخطاب تنكيلي محاولاً ليس فقط تفكيكه بل رصد تفاؤليّته وشراسته وفراغاته الفكريّة والسياسيّة تاركاً التباسه مع الدين، أو المدارس الأخرى للدين تحت وطأة السؤال الجوهري كقوّة تحريضيّة فيما شغلته مظاهر التفوّق الإسرائيلي، والجانب العسكري أحدها، في مجالات الثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا العالية راصداً بقدر ما استطاع تلك المفارقة بين التقدّم السياسي والسلوك العنصري.
ففي مجال رصد الأصوليّة يرى الأستاذ الزين انّنا أمام صراع على تأويل النص والسلوكيّات الناتجة عنه، مع إدراكه أن السلفيّة هي في النهاية التأويل الأكثر ليس حرفيةً للنص بل الأكثر والأقسى عقابيةً، فهي تفريغ بل إغلاق كامل احتكر التفسير فألغى النص وتأويله معاً وخلق ديناً مختلفاً كما جفّف ينابيع الاختلاف. وبغياب حق التأويل صار التأويل مشروع حرب أهليّة لا مشروع تعدّدية فكريّة تمثّل تاريخياً منذ عصر النهضة الأوروبية الأساس الثقافي لأي تقدّم غربي.
نبض