معرض استعادي لمراحل فنّ جان خليفة في بيروت: إشراقات التجريد الذي يتفتح على عوالم الداخل

ثقافة 13-01-2026 | 08:24

معرض استعادي لمراحل فنّ جان خليفة في بيروت: إشراقات التجريد الذي يتفتح على عوالم الداخل

"رغم الشدّة والألم، أردت أن أعبّر، ولو باكياً أحياناً، عن لبنان المختلج ووجهه الحقيقي".
معرض استعادي لمراحل فنّ جان خليفة في بيروت: إشراقات التجريد الذي يتفتح على عوالم الداخل
تأليف تجريدي -زيتية - العام 1971.
Smaller Bigger

د. فيصل سلطان

تصعب الإحاطة بفنّ جان خليفة، كما تصعب إعادة اكتشاف مراحله الفنية، من خلال معرض يقام في غاليري مارك هاشم في بيروت. فهو من الفنانين اللبنانيين الطليعيّين الذين أسّسوا لمغامرة التجريد. اختار العالم غير التصويري لأنه يكشف عن المجهول أكثر من المعلوم، فتجاوز أسئلة جمهور الفن حيال غياب الموضوع، ليكشف عن تكوين آخر للواقع، يعبّر بالعمق عن أبجدية الفن الجديد المنبثق - كما الشعر الحديث - والذي بدأت بيروت تتعرف اليه في ستينات القرن العشرين.

في مسيرته الفنيّة، بدا مفتوناً بدنيا الضوء واللون؛ فمنذ اختياره عام 1947 أن يكون رسّاماً، كان من ألمع فنّاني الرعيل الثاني الذين تعاقبوا على الدراسة في محترفات الأكاديميّة اللبنانيّة (1947–1950). وبعناده ومواظبته وقدرته على التلوين التعبيري الحرّ، لفت أستاذه قيصر الجميّل، الذي تنبّأ له بمستقبل باهر، وساعده على إكمال دراسته في باريس من خلال منحة قدّمتها الحكومة اللبنانيّة للطلّاب المتفوّقين.

 

جان خليفة بريشته.
جان خليفة بريشته.

 

بدأ نجم جان خليفة، كفنان واعد، يسطع منذ مطلع الخمسينيّات، حين أيقن أنّ دراسته في المحترفات الباريسيّة لم تكن سوى انغماسٍ في ثقافة بصريّة جديدة تكسر رتابة الموضوعات والأساليب التقليديّة التي اكتسبها في بيروت. وخلال انتقاله من محترف فرنان ليجيه إلى محترف هنري غوتز عام 1953، شعر أنّه يقف عند مفترق حاسم بين التصوير والتجريد، وأنّ التلقائيّة والتبسيط والإيجاز، والانحياز نحو اللاتشخيص، تشكّل جميعها سمات الفنّ الجديد.

فاللطخة اللونية هي الصرخة الداخلية وهي الطاقة التعبيرية الحرّة التي كرّسها غوتز، كلغة تجريدية في تجارب أجيال من الفنانين العالميين الشبان الذين تعاقبوا في الخمسينات على محترفه في "لا غراند شوميير". وعلى هذا الأساس، بدأت تجارب خليفة، في مراحله الباريسية، تتجه نحو تحوير الشكل، وصولاً إلى تأكيد اللون عبر مغامرة تغيير المشهد من خلال حزمة من اللمسات اللونية. فقد كانت الأمثولة التجريدية في الأكاديميات الفرنسية، هي بلوغ واقعية جديدة، تمنحها إيحاءات لغة تعبيرية محدثة تدمج الواقع بالتجريد وتُظهر إشارات دفق اللطخة اللونية وإيقاعاتها الشعرية الجامحة.

 

جان خليفة في الاكاديمية اللبنانية في مطلع الستينات يتأمل لوحة تلميذه الفنان مصطفى حيدر.
جان خليفة في الاكاديمية اللبنانية في مطلع الستينات يتأمل لوحة تلميذه الفنان مصطفى حيدر.

 

هكذا انخرط جان خليفة في موجات التجريد الغنائي ومغامراته، وأضحى الفن الحقيقي، بالنسبة إليه، هو ما يسبر الأعماق بحثاً عن ضفاف بلاستيكية جديدة. فكان مبدؤه أنه "بقليل من المواد اللونية يستطيع أن يُفرغ ما في ذاته، وأن يولّد من اللاوعي حركات صافية وايقاعات لونية أشبه بالموسيقى والصرخة والرجفة والنبض الحيّ". فهل اللطخة اللونية سوى وسيلة للعزف على أوتار المشاعر الدفينة، بما يجعل الأبواب تتفتح على ما سمّاه بول كلي "سجادة الذاكرة"؟.

يصف جان خليفة تجاربه الباريسية، بأنها المرحلة السعيدة التي فتحت أمامه سرّ التحول من سائح في رحاب ما تومئ به الأشكال، إلى مقيم في خلايا ما تخفيه حركة الألوان. فاللون هو سجل حياته ونسيج افكاره وعواطفه وفلسفته، لذا ألزم فنّه بأن يربط حركة التلوين بإيقاعات الشغف والغضب والثورة ودفق الحريّة.

 

لوحة “تعرفون الحق والحق يحرركم“.
لوحة “تعرفون الحق والحق يحرركم“.

 

جاهر جان خليفة، مرّة، أمام الشاعر أنسي الحاج بالقول إنّه لم يكن يرغب في العودة إلى بيروت عام 1955، لولا رسائل فؤاد حدّاد (أبو الحنّ)، الذي كان يكنّ له محبّةً كبيرة. فقد كانت تلك الرسائل تفوح بنبوءة الحداثة وبانطلاقتها في معارض قصر الأونيسكو. وعلى هذا الأساس، عاد جان خليفة حاملاً معه "قلقه العاقل"، على حدّ ما وصفه به الفنان جورج سير. غير أنّ هذا القلق العاقل تحوّل غضباً جارِفاً إثر رحيل قيصر الجميّل ومقتل فؤاد حدّاد عام 1958، إذ شعر خليفة بخسارةٍ مزدوجة لا تُعوَّض: فقدان الأب الروحيّ (الجميّل) والصديق المشجّع (أبو الحنّ). وفي ضوء هذا الوجع المزدوج، اندرج معرضه الفرديّ الأوّل عام 1959 في "غاليري كميل منصف" في بيروت، مشحوناً بالعنف وبـتآليف لونيّة صارخة ومتفجّرة، وصفها الناقد والشاعر صلاح ستيتيه بـ"التخريمات الشرسة".

لم تكن تلك التخريمات سوى إشارات للكشف عن قلقه الوجودي الحاد حيال وطن أضحى في مهب الريح وتتقاذفه الثورات والمؤامرات والعصبيات الطائفية المتخلّفة، مما دفعه في حواراته في مطلع الستينات إلى طرح تساؤلات حادة حيال مفهوم العمل الفني وغايته وجدواه ومدى علاقته بالغرائز والمشاعر الإنسانية. وهي تساؤلات تبلورت في معرضيه الثاني والثالث، اللذين أقامهما في غاليري اليكو صعب، و"فسّر" فيهما موقفه حيال الدمج بين التصويرية والتجريد. في تلك المرحلة كانت الموضوعات التقليدية والفولكلورية تثير غيظه، رغم رواجها الاستهلاكي في المعارض المحلّية، كما كانت تثير حفيظته تلك الحفاوة الاعلامية التي احيطت به أعمال جورج ماتيو وهارتونغ في بيروت العام 1961. وفي تلك المرحلة نفسها، عرض جان خليفة في "غاليري لا ليكورن" في بيروت أعمالاً تسبح في فلك التجريد بوصفه فعلاً إبداعيّاً متحرّراً، وتُجسِّد، بحسب قوله، "صرخة القلب، وتفجيراته وهذيانه" لحظة وقوف الفنان أمام اللوحة، ليغمس ألوانه في حدائق الداخل.

 

تحية لجبران خليل جبران بريشة جان خليفة.
تحية لجبران خليل جبران بريشة جان خليفة.

 

اعتبر خليفة هذه التلقائيّة انتصاراً للثقافة الإنسانيّة، التي تتجاوز "أزهار الشر" في المجتمع، باحثةً عن لغةٍ عالميّة تعانق الأعماق الأكثر قوّةً وإشعاعاً واتّحاداً. وهكذا أضحى "الكون" عنواناً لمعرضه في فندق السان جورج عام 1964، حين اكتشف أنّ سرّ الفنّ يكمن في علاقة الضربة اللونيّة بالإشارات الكبرى والرئيسيّة للوجود.

إثر هزيمة عام 1967، شعر خليفة بمرارةٍ كبرى، انقطع خلالها عن الرسم والعرض، وآثر الصمت والعزلة. غير أنّ معرضه في "دار الفنّ والأدب" عام 1970 شكّل عودةً إلى الارتباط بمناظر الداخل، بعدما أصبح الخارج ثانويّاً، على حدّ ما قال ذات يوم للكاتب عصام محفوظ: "أنا أتسلّى عندما أرسم، أتريدون منّي أن أخبركم بجميع مراحل درب الصليب؟". وقد شكّل ذلك المعرض تحوّلاً في فنّ خليفة، إذ اندمج عُري الخارج بعراء الداخل، فباتت موضوعات المرأة العارية ملازمةً لتمارين تأمّلاته وعذاباته؛ فالمرأة العارية هي الطاقة الشهوانيّة التي غمس فيها مشاعره، وقواعد تمارينه الاختزاليّة.

 

تأليف تجريدي العام 1969.
تأليف تجريدي العام 1969.

 

وفي مراحله الأخيرة، التي ظهرت بين عامي 1975 و1978، فتح جان خليفة، في ضرباته اللونيّة، جروح الحرب العميقة وشروخ مآسيها، فرسم وجهه الحزين في سلسلة خطوطٍ منهمرة، على خلفيّة ملامح غائرة ومكفهرة، كأنّه يصوّر صراخه الداخليّ وخوفه: "رغم الشدّة والألم، أردت أن أعبّر، ولو باكياً أحياناً، عن لبنان المختلج ووجهه الحقيقي. فاضت عليَّ الموضوعات ككوابيس، وقد رسمتها لأرتاح. صرت كفنان المغاور الذي يرسم الخنزير البرّي وينحته كي يتغلّب على الخوف منه".

وفي تلك الأعمال، جاهر خليفة بقوّة أسلوبه وحضور موضوعاته، التي مالت إلى الأزهار والعاريات، جاعلاً من مساحاته حقولاً متفجّرة بالألوان، قابضاً على زيّوحِه الحرّة الطليقة، كإيقاعاتٍ لحطام سنوات الفاجعة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 2/26/2026 7:18:00 PM
لبس حول "ضريبة البنزين"… مجلس شورى الدولة لم يُصدر قراراً بعد والمراجعات قيد الدرس
الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
واشنطن تشترط اتفاقاً نووياً دائماً مع إيران...
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.