لماذا لا تزال مواسم الجوائز مؤثّرة… رغم كلّ الحديث عن نهايتها؟
لطالما تكرّرت العبارة نفسها في السنوات الأخيرة: الجوائز لم تعد مهمّة. جمهور يعبّر عن الإرهاق، نقّاد يسخرون من طقوس الحملات الدعائية، واستوديوهات تقلّل علناً من قيمة التتويجات، فيما تواصل، خلف الكواليس، ضبط استراتيجيات الطرح، وميزانيات التسويق، وجداول النجوم، بما يتماشى بدقّة مع روزنامة موسم الجوائز. هذا التناقض يكشف الحقيقة، فلو كانت مواسم الجوائز قد فقدت فعلاً تأثيرها، لما ظلّت صناعة السينما بأكملها تدور في فلكها بهذا الانضباط المحسوب.
الحقيقة أكثر إثارة للاهتمام. مواسم الجوائز لا تزال مؤثّرة لأنها تؤدّي أدواراً لم تتمكّن أيّ خوارزمية، أو قائمة تشغيل، أو خانة "الأكثر رواجاً" من تعويضها حتى اليوم.
موسم الجوائز: إشارة سوقية في زمن فائض المحتوى
أزمة الثقافة اليوم لا تكمن في نقص الأفلام أو المسلسلات، بل في فائضها. الجمهور مُنهك من كثرة الخيارات، وفي هذا السياق، تعمل ترشيحات الجوائز السينمائية كآلية فرز ضرورية.
يُعدّ ترشيح أفضل فيلم أو أفضل ممثل اختصاراً دلالياً للقيمة، ورسالةً سريعةً إلى المشاهد تقول له: هذا العمل يستحقّ وقتك. ولا يزال هذا الأثر الإشاري قابلاً للقياس بوضوح.

فبحسب كبير المحلّلين الإعلاميين في شركة "كومسكور"، بول ديرغارابيديان، يمكن للاعتراف بالجوائز أن يُنعش العمر التجاري لأيّ فيلم لا يزال يمتلك "جمهوراً لم يتمّ استهدافه بعد"، مضيفاً بوضوح: "لا يوجد أيّ جانب سلبي لترشيح أفضل فيلم".
على صعيد شباك التذاكر، يترجم ذلك غالباً إلى تمديد فترات العرض واستعادة الزخم. أمّا في عالم البثّ التدفّقي، فينعكس بارتفاع نسب المشاهدة الكاملة وإطالة العمر الافتراضي للأعمال داخل الكتالوغات الرقمية.
الجوائز لا تُشكّل حنيناً إلى الماضي بقدر ما هي أدوات إرشاد تساعد الجمهور على الاختيار وسط فائض المحتوى.
الوجاهة لا تزال عملة متداولة… ولا سيّما في التمويل
تعمل مواسم الجوائز أيضاً بوصفها منظومات مالية متنكّرة في هيئة احتفالات ثقافية. فالوجاهة أو "الهيبة" (prestige) ليست رمزاً معنوياً فقط، بل أداة ضغط اقتصادية حقيقية.
تؤثّر الجوائز مباشرة في المبيعات الدولية، ودعوات المهرجانات، واستقطاب النجوم والمواهب، وقرارات الإنتاج المستقبلية، ومنح الضوء الأخضر لمشاريع جديدة.
لطالما أظهرت التغطيات المتخصّصة في شؤون صناعة السينما مدى الكلفة الباهظة لحملات الجوائز. فمنذ أوائل العقد الأول من الألفية، أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" بأنّ حملات الأوسكار كانت تتجاوز 10 ملايين دولار للفيلم الواحد. أمّا اليوم، فتُقدِّر تحليلات الأعمال المتخصّصة أنّ إجمالي كلفة حملات الجوائز السنوية بات يصل إلى مئات ملايين الدولارات.
هذا الاستثمار الضخم يؤكّد أنّ موسم الجوائز ليس طقساً رمزياً، بل رهاناً مالياً طويل الأمد.
كيف تُشكّل مواسم الجوائز المسارات المهنية؟
بعيداً عن الحسابات الاقتصادية، لا تزال مواسم الجوائز من الآليات النادرة التي تُحوِّل الحِرفة الفنية إلى رأسمال ثقافي.
يُتيح موسم الجوائز للمحرّرين، ومديري التصوير، والمؤلّفين الموسيقيين، وكتّاب السيناريو - وهم غالباً خارج دائرة انتباه الجمهور العام - أن يحصدوا اعترافاً واسعاً على مستوى الصناعة من خلال الترشيحات.

هذا الاعتراف لا يبقى رمزياً، بل يترجم مباشرة إلى استدامة مهنية. ولا يزال إدراج اسم في سجلّ الأوسكار أو الغولدن غلوب من أكثر الإشارات وضوحاً داخل غرف التوظيف، ولجان التمويل، والأسواق الدولية.
ومع مرور الوقت، باتت هذه العملية أكثر احترافاً؛ إذ تبدأ حملات الجوائز قبل أشهر طويلة، بإشراف استراتيجيين ومستشارين، وبسرديّات مُصاغة بعناية تحدّد كيف يُنظر إلى أداءٍ أو فيلمٍ بعينه. هذا ليس تضخيماً إعلامياً، بل انعكاس مباشر لحجم الرهانات القائمة.
قوّة اللحظة: لماذا لا تزال حفلات الجوائز تحرّك المشهد؟
في زمن يهيمن عليه الاستهلاك المُجزّأ والمتشظّي، تُقدّم حفلات الجوائز ما بات نادراً: لحظة ثقافية مشتركة تجمع الجمهور حول حدث واحد، في وقت واحد.
كما لاحظت مجلة "فانيتي فير"، ففي سباقات التمثيل المتقاربة، قد تُعيد كلمة قبول واحدة أو لحظة تلفزيونية عابرة رسم المسار الكامل لموسم الجوائز.
المشاهدون لا يكتفون بالمشاهدة، بل يتفاعلون فوراً: يبحثون، ويشاهدون عبر البثّ، ويعيدون تقييم المرشّحين لحظة بلحظة. هذه الآنية تحوّل حفلات الجوائز إلى منصّات توزيع حيّة، قادرة على تحويل الفضول إلى مشاهدة فعلية خلال ساعات.
الجوائز بوصفها آلات لصناعة الذاكرة الثقافية
في المحصّلة، تستمر مواسم الجوائز لأنها تُسهم في صناعة ذاكرة جماعية، وتُنتج سردية مشتركة لما يُفترض أن يبقى في الوعي الثقافي العام.
لوائح الفائزين هي، في جوهرها، حُجّج علنية حول ما يستحقّ الحفظ، وما ينبغي رفعه إلى مرتبة المرجع. هي عملية غير مكتملة، مشحونة بالسياسة، ومليئة بالتناقضات، لكنها معلنة ومرئية.
وفي ثقافة تحكمها الظواهر الفيروسية العابرة (الـ viral) وسرعة النسيان، تمثّل الجوائز فعلاً نادراً من أفعال التذكّر المؤسسي في مواجهة منطق الزوال.
لماذا لا نزال نكترث… حتى عندما نقول العكس؟
نتظاهر بأنّ الجوائز لم تعد مهمّة لأننا ندرك عيوبها: اللوبيات، والانحيازات، وسياسات الصناعة. لكنّها لا تزال مؤثّرة لأنها تؤدّي ثلاث وظائف أساسية لم تنجح أيّ منصّة حتى الآن في تعويضها بالكامل:
• تُركّز الانتباه داخل منظومة ثقافية مكتظّة بالمحتوى
• تُحوِّل الذائقة الفنية إلى قيمة اقتصادية قابلة للتداول
• تُسهم في تشكيل الإرث الثقافي المبكر للأعمال والوجوه الإبداعية
في النهاية، تستمر مواسم الجوائز لا لأنها نقيّة أو مثالية، إنما لأنها مفيدة. وفي اقتصاد الانتباه، تتحوّل المنفعة إلى قوّة… وربما لهذا السبب تحديداً، لم تستطع الجوائز أن تختفي.
نبض