بيلا تار… موت سينمائي ملعون

ثقافة 11-01-2026 | 21:18

بيلا تار… موت سينمائي ملعون

لدى تار، ثمة إصرار لافت على ردّ الاعتبار إلى الزمن السينمائي، ومنحه حقّه الكامل في الوجود.
بيلا تار… موت سينمائي ملعون
بيلا تار (2026 - 1955).
Smaller Bigger

انشغل بيلا تار بالإنسان انشغال المصير بمصيره. سيُقال: كلّ سينمائي غايته الإنسان، وسأجيب: لكن قلة فقط تناولت الشرط الإنساني بهذه الراديكالية، مع ذلك الإيمان بأنه يجب النظر في الكائن حتى تكتسب الأشياء التي حوله معنى جديداً. "الكرامة البشرية، كرامة أي حياة على وجه الأرض… هذا ما يهمّني، وهذا ما أهتم به طوال الوقت، كلّ شيء عدا ذلك يتلاشى!"، قال لي في مقابلة أجريتها معه قبل سبع سنوات من رحيله الأسبوع الماضي عن 70 عاماً.

بين 1978 و2011، أنجز هذا المخرج الهنغاري الذي ذاع صيته دولياً بدءاً من أواخر القرن الماضي، عشرة أفلام روائية طويلة، من "لعنة" إلى "نغمات فركمايستر" مروراً بـ"رجل من لندن" و"تانغو الشيطان" الذي يبقى أشهر ما قدّمه: مانيفستو ينبذ كلّ ما وضعته السينما الترفيهية كأسس وقواعد أصبحت تحصيلاً حاصلاً. لم تكن سينماه دعوة سهلة للمُشاهدة والتلقّي، نظراً للايقاع والوتيرة المعتمدين، اللذين من خلالها عانق العالم، مختبراً صبر المتفرج في مواجهة مع هذا العالم الذي يقع على الحدّ الفاصل بين شيء يولد وشيء يتبدّد.

كان تار فوضوياً حتى النخاع الشوكي، يرفض كلّ الإيديولوجيات جملةً وتفصيلاً، ويعيش اغتراباً أبدياً عن بيئته الاجتماعية. وُصف بأحط النعوت في بداياته، وأتُهًّم بتشويه الاشتراكية الهنغارية، بعدما تجرأ على أفلمة البؤس العادي والتفكّك الأسري والمل المتأتي من النظام الحاكم. صوَّر الحقيقة العارية اليائسة، بلا "رتوش"، في نظرة نيهيلية ساهمت في خلق سوء فهم حوله. احتاج إلى الكثير من الوقت كي يصبح عمله شهادة صريحة على الانهيار الأخلاقي في أوروبا الشرقية، وذلك بعدما حوكم طويلاً على النيات. أما مريدوه في العقدين الأخيرين فكان لهم رأي مختلف، اذ نصبوه آخر سادة سينما تأملية تُعرف ظلماً بـ"السينما البطيئة"، حد انه بات مضرب مثل، من دون أي اعتبار لحقيقة كان يؤمن بها: علاقة أخرى بالزمن الذي اعتبره البطل الأوحد لأفلامه، وهي علاقة قد تعيد بلورة نظرة الإنسان إلى واقعه.

لدى تار، ثمة إصرار لافت على ردّ الاعتبار إلى الزمن السينمائي، ومنحه حقّه الكامل في الوجود. وكلّ من له دراية بالسينما يعرف أن هذا الفنّ ليس سوى لحظة التقاء الزمان بالمكان. وعلى غرار غودار، لم يكن يحرّك الكاميرا اعتباطاً. فالأخير اعتبر حركة آلة التصوير على السكّة "مسألة أخلاق"، ولم يكن هو بعيداً عن هذا التصوّر المتطرف. أمّا الأمكنة في أفلامه، فلم تكن مجرد خلفيات، بل وجوهاً وشخصيات قائمة في ذاتها.

 

”تانغو الشيطان“ لبيلا تار.
”تانغو الشيطان“ لبيلا تار.

 

تأرجحت أفلامه الأولى بين تأثيرات كاسافيتس وبرغمان، وكان بعضها مصوَّراً بكاميرا محمولة، في بحثٍ حثيث عن لغة لم تكن قد استقرّت بعد. أمّا الأسلوب الذي سيصبح علامته الفارقة، فلم يترسّخ إلا لاحقاً، مع "اللعنة"، ذلك العمل الذي "ولد" في برلين، المدينة التي عاش فيها ودرّس لفترة. منذ تلك اللحظة، تبلورت لغته السينمائية وتكثّفت: حركات بانورامية طويلة، ولقطات ترافيلينغ تتأنّى في مسيرها، كأنها تمنح الأشياء وقتها كي تُعاش وتُحَسّ.

لم تتكوّن ثقافة تار في الصالات المظلمة. هو لم يكن سينيفيلياً بالمفهوم المتعارف عليه. الشارع كان مدرسته الأساسية. لهذا ظلّ رجلاً متواضعاً في سلوكه، يخاطب الجميع من الموقع نفسه، رغم مكانته الدولية (عُرضت أفلامه في كانّ وبرلين وأهم مهرجانات العالم). شهدت مسيرته تطوراً فظيعاً بعد الألفية الجديدة ساهمت في "أسطرته". تار البدايات يختلف عمّا رسا عليه في نهاية حياته. صحيح ان اندفاعه الأول كان اجتماعياً، لكنه أدرك بعد ذلك أن المشكلة أعمق: "انها ميتافيزيقية، كونية"، كما قال لي في مقابلة. أما السينما فأداة، مثل إزميل النحّات. القيمة ليست في الأداة، بل في ما يُنحت بها.

هذا الذي كان في السبعينات شاباً تسكنه روح أيار 68، طمح إلى تغيير المجتمع، ولم يود طرق الباب بقدر ما آثر خلعه. أعماله الأولى أرادها "بشعة، قاسية، قذرة"، تجسّد الناس والحياة كما يراها في الواقع. لكن "المجتمع رفض التغيير، أصرّ على الوقوف في مكانه"، وكانت هذه واحدة من خيباته الكبرى، هو الذي أعتنق المثالية في بداياته، لكن مثالية بلا أوهام، ذلك ان صعوده تزامن مع افلاس الإيديولوجيات وفشل التجربة الاشتراكية في المجر وتحوّل البؤس مستنقعاً عاماً. لكنه ظلّ يؤمن بشراسة في ضرورة النظر إلى العالم بلا مساومة، كما فعل في سينماه التي رفضت الترفيه والتلاعب بالعاطفة والعزاء. التعنّت في قول الحقيقة، وفق رؤيته، هو شكل من أشكال الراديكالية التي مارسها. عند تار العالم مُدان، الإنسان سجين، ولا توبة ممكنة.

بحفنة من الأفلام، أصبح تار أيقونة السينما التي تبحر عكس التيار، ورغم تأثيره المحدود في الصالات التجارية، صار اسماً كبيراً عند السينيفيليين من الغرب إلى الشرق، بحيث ما كان بالأمس مهملاً ومتعذر الفهم، بات جديراً بالاكتشاف واعادة الاكتشاف مع قدر من سوء فهم سيبقى "لعنته" إلى الأبد. هذا الذي يصحّ وصفه بـ"مهندس الزمن"، أبدع جنوناً جامحاً في الصورة، في كيمياء متقنة بين الواقعي والرمزي واللاوعي، ليحملنا إلى عالم منهك، خائر القوى وملحد. كما انه أولى اهتماماً بالغاً بالتيمات الميتافيزيقية، مثل البحث عن أصول الشر في الإنسان، ورفضَ بشكل قاطع أن تناط بالسينمائي مهمّة القصّ، ذلك أن الشيء الوحيد الجدير بالتصوير في نظره هو الزمن. في غياب أي سلطة سماوية، ظلّ بيلا تار يبحث عن الزمن المفقود، حتى أدركته لعنة السينما، فصار سينمائياً… ملعوناً.

***

"السؤال الذي أحبّ أن أطرحه على نفسي هو: لماذا أنجز أفلاماً؟ من المؤكّد أنني لا أنجزها من أجل المال، ولا بحثاً عن الشهرة، ولا طمعاً في حياة سهلة. حين تمشي "حيث لا ينبغي أن تمشي"، وحين تُصغي إلى البؤساء والفقراء وتراقبهم عن قرب، تدرك سريعاً أن لا شيء يُمنح بلا عناء. بالاقتراب من هؤلاء، قد تُتاح لك فرصة نادرة: أن تكون شاهداً على لحظات مشبّعة بإنسانية خالصة. غير أن لكلّ ذلك ثمناً لا بد من دفعه، يُقتطَع من وقتك أو يُسدَّد من جهدك". (من مقابلة "النهار" مع بيلا تار في تورونتو عام 2007).

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/11/2026 12:29:00 PM
في مراحل مختلفة، لجأ حزب الله،  إلى الجالية اللبنانية الواسعة في أميركا اللاتينية للحصول على الدعم
لبنان 1/10/2026 11:53:00 PM
هزة أرضية شعر بها سكان بيروت
ايران 1/11/2026 10:17:00 PM
قُتلت الطالبة الإيرانية روبينا أمينيان (23 عامًا) برصاصة في مؤخرة الرأس خلال احتجاجات طهران، فيما أُجبرت عائلتها على دفنها سرا بعد منعها من إقامة مراسم علنية، وفق تقارير حقوقية.
حارس مادورو: "في لحظة ما، أطلقوا شيئاً لا أعرف كيف أصفه، كان يشبه موجة صوتية مكثفة للغاية، شعرت فجأة وكأن رأسي ينفجر من الداخل"