بهجة "المتحف المصري الكبير" بعيون رسّامي العالم
يمثّل افتتاح المتحف المصري الكبير الحدث الأبرز في عام 2025، ليس في مصر والشرق الأوسط فقط، بل ربما في العالم كله. هذا الصرح المقام بتصميم معماري فريد بالقرب من هضبة الأهرامات في الجيزة على مساحة 490 ألف متر مربع، يحتضن سائر عصور الحضارة في مصر القديمة، الممتدة منذ ما قبل التاريخ إلى نهاية الحقبة اليونانية الرومانية، وينطوي على نحو 100 ألف قطعة أثرية نادرة.
تتجلى أصداء افتتاح المتحف المصري الكبير في المحافل الثقافية والفنية في كل حدب وصوب، كما أن ثمة حالة استثنائية من البهجة تهمين على التجارب الإبداعية المتأثرة بهذا الحدث المهم، والمتفاعلة معه، من دول العالم المتنوعة.

لمسات احترافية
تلك هي المظلة التي اندرج تحتها معرض الكاريكاتير العالمي الموسّع "بهجة المتحف المصري الكبير" في مركز محمود مختار الثقافي بالقاهرة (كانون الأول/ديسمبر)، بمشاركة رسّامين نابهين من 35 دولة. في لمسات الفنانين الاحترافية، تجسيد لقيمة المتحف المصري الكبير، وتأطير لصورته المادية والمعنوية، كما يرونها بعيونهم، ومثلما يستشعرونها بقلوبهم وضمائرهم، إذ يُجمعون على أن المتحف حصن يضاف إلى حصون الحضارة الإنسانية الخالدة.

على نهج مقتنيات المتحف، المنتسبة إلى عصور متعددة، فإن أعمال معرض "بهجة المتحف المصري الكبير" هي ثمرة إبداعات فنانين من أجيال وتيارات مختلفة، من مصر ودول عربية وأجنبية، من بينهم: شيماء محمود، وخالد صلاح، وغادة مصطفى (من مصر)، وآمنة الحمادي (الإمارات)، ومحمد الرفاعي (الأردن)، وزوران ميهايلوفيتش (صربيا)، وأركان الزيدي (العراق)، وألكساندر زودين، ونيكولاي سفيريدينكو، وإيجور سميرنوف، وفالنتين دروزينين (روسيا)، ولويس هارو (الأورغواي)، وميهاي جابرييل، ومارسيل كلاوديو (رومانيا)، وداريوز دابرويسكي (بولندا)، وكازانيفيسكي فلاديمير (أوكرانيا)، وبا بيليج، ويان زيابو (الصين)، وجورج جار (فنزويلا)، وإسماعيل كار (تركيا)، وإيدي زارما (إندونيسيا)، وكلاوس بيتر (النمسا)، وأدريانا موسكيرا (إيطاليا)، وغيرهم.

لغة الفن الخاصة
في حديث لـ"النهار"، يرى الفنان فوزي مرسي، قوميسير المعرض، أن أعمال الفنانين المشاركين تثبت بما ليس فيه مجال للشك أن لغة الفن واحدة، وهي لغة خاصة، تتخطى في التواصل البشري سائر العوائق والحدود الجغرافية، وتعبّر بأمانة وعفوية عن المشترك الإنساني الصادق العميق.

تعكس إبداعات الفنانين المبتكرة والمتطورة، وفق فوزي مرسي، قيماً جمالية صافية مجردة، ومشاعر وجدانية متدفقة، تفجّرها رغبتهم في التعبير عن المتحف المصري الكبير، باعتبار أن افتتاحه بمثابة منصة لإطلاق المرح والسعادة من جهة، وبوصفه من جهة أخرى قلعة من قلاع الحفاظ على التراث والهوية وصون المقتنيات التاريخية، وربط الماضي بالحاضر.

وبالرغم من بساطة معظم أعمال المعرض وحرصها على الوصول إلى المتلقي من أقصر الطرق، فإنها تتمتع بثراء فني لافت، ووعي بصري وتشكيلي، وقدرة على إيجاد مساحات تفاعلية ومستويات تأويلية وترميزية متعمقة.

ملتقى الإنسانية
من هذه الأعمال، على سبيل المثال، لوحة الإماراتية آمنة الحمادي التي تستعرض فيها سعادة الكرة الأرضية وانتشاءها واستعادتها شبابها وفتوّتها بفضل بزوغ شمس المتحف المصري، ولوحة المصري خالد صالح التي يوضح فيها قدرة المتحف على اجتذاب خريطة العالم بأكملها إليه، ولوحة الأردني محمد الرفاعي التي يُبرز فيها معاني تآخي الأديان والحضارات والثقافات.

من تجارب الفنانين الخصبة أيضاً عمل الروسي نيكولاي سفيريدينكو الذي يُظهر تقديم رموز الكاريكاتير قلوبهم قرباناً لرموز الحضارة المصرية، وعمل الأورغواني لويس هارو الذي يسجّل استعداد المتحف المصري لاستقبال البشر من كل مكان، والترحيب بهم، ولوحة الصيني يان زيابو التي يبتسم فيها الهرم الأكبر مبتهجاً بقدوم الوافدين إلى المتحف المصري حاملين بطاقاتهم وراياتهم الملونة.

إشارات عصرية
في لوحة داريوز دابرويسكي، من بولندا، تتلاقى التقنيات العصرية المتفوقة مع الحضارة المصرية القديمة، إذ تتجسد على مشارف المتحف المصري الكبير نقوش حجرية باللغة الهيروغليفية يعتبرها الفنان كلمة سر مفتاحية (Password) لشبكة الاتصالات اللاسلكية (WIFI) في المكان، في إشارة إلى عظمة الحضارة المصرية وتقدمها العلمي والتقني منذ القدم.

وتخلو لوحات الفنانين عادة من التعليقات، مكتفية ببنائها البصري، ولكن بعضها يتضمن تعليقات قصيرة ذات طبيعة مرحة أو معبّرة عن فكرة ما، كلوحة العراقي أركان الزيدي التي يخاطب فيها "أبو الهول" المتحفَ المصري الكبير، المليء بالمقتنيات الثمينة وعلى رأسها المجموعة الكاملة لآثار الملك توت غنخ آمون، قائلاً "ما ليش مكان معاكم؟"، كدلالة على قيمة هذا المتحف، إلى درجة أن "أبو الهول" يرغب في أن يكون من سكّانه.
نبض