في سلسلة جديدة باسم "Descartes & Cie"، يجتمع مفكرون ونقاد فرنسيون تحت لافتة باسم "الأدب يزعج الفلسفة". تنطلق السلسلة من سؤال: ماذا يفعل الأدب بالفلسفة، هل يزعجها، يقلقها، يُشوِّش عليها أحياناً، بل ويشوِّش؟ ليس غرضُهم كتابة تعليقات فلسفية حول النصوص الكبرى للأدباء، ولكن ليتساءلوا ويرووا الطريقة التي يتحدى بها الأدب فكرَهم ويهزّه. إزعاجٌ من شأنه أن يقود الفلسفة نحو سبُل أخرى، واكتشاف ضفافٍ، وفتح آفاق للتفكير. تستهلّ السلسة لهذا الغرض بكتاب مارك غيّوم "الأدب يفكّر" (La littérature pense).
في كتاب صغير الحجم، وإن مكثّفٍ ودسمٍ، يعالج الباحث أربع قضايا من خلالها يحاول درس الاتصال والتأثير المتبادل بين الأدب والفلسفة والفكر عامة: لِمَ يصلح الأدب؟؛ المؤلف وشخصياته؛ الصداقة والأدب؛ الترجمة، الجاذبية، والإغراء. قضايا متشابكة تجتمع في تيمة أنّ الأدبَ يفكّر، بل ويقترح إمكانات أخرى للتفكير. يقارب ما هو عصيٌّ عن القول، وما يستحيل على العقل، وهما جوهريان. وهذا انطلاقاً من تعريف أساس يضعه الكاتب الجمالي الفرنسي جورج باتاي (1897 - 1962) في كتابه "الأدب والشرّ" يقول فيه: "إمّا أن يكون الأدب جوهريّاً، وإمّا هو لا شيء" لذلك لا يعترف من الكتاب سوى بما يزيد قليلاً عن أصابع اليد، جازماً بقطيعة حدّية بين الأدب الجيّد، والنثر المبتذل المتجاوب والمقدَّر من جمهور ضعيف. سبق لبروست أن استخدم صيغة "أدب النقل" وسارتر "نثر التسلية". حسب هذا المفهوم، أغلب الأدب كمّاً ينتمي إلى الصنف الثاني. والفكر غيرُ معنيٍّ به، إنه يهتم بوجود شيء جوهري في الأدب، ما يحيل إلى عبارة باتاي وهو يميز بين التبليغ الضعيف باللغة العادية، والتبليغ القوي أو الأصيل، يسميه بذي السيادة، ما لا يطال، المأسوي في العيش. عند باتاي دائماً التعبير الأدبي إمّا شعري أو لا شيء. والشكل الشعري يقوم على الانزياح الذي تصنعه الاستعارة، وصورتها المركزية الإضمار. يفكّر الأدب وهو يتجسّد في تعبيرين: النثر يدور حول فكرة متلقّاة، وحكاية عادية، تعيِّن مباشرة ما تقصد؛ الثاني إذ يذهب الأدب إلى الجوهر، بالشعري والمضمر، ما يعتبره كونديرا شرطاً لإدراك تعقيد الوجود.

لأي شيء يصلح الأدب؟ يُطرح السؤال من منطلق أن الأدب يسمح بالتفكير بطريقة مغايرة. هنا يلتقي مع غاية الفلسفة، ومن هنا سؤال ثانٍ: ما الرابط بينهما، وأين يتمايزان أو يجتمعان؟ يجيب مارك غيوم بأنّ حقلَيْ الفكر والإبداع هذين يتقاسمان خاصيةً مشتركة، كونهما، وضمنهما الشعر والفن، أنشطةٌ ذهنيةٌ تفلت من سيطرة مستلزمات التراكم والتقدم والفعالية، لأنها أنشطة مرتبطة باللغة - التفكير الإنساني والمعيش، بالبعيد عن مقاس التقني والاقتصاد. لقد فكّت العلوم والتقنيات ارتباطها بالفلسفة كما على عهد الإغريق، واستقل الأدب والفلسفة عن اللوغوس المؤسس للعلم، بل إنهما يقاومان اليوم دخول خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى حقلهما. خلافاً لما ساد مع غاليلي وديكارت عن تفوق العلوم وجعلها موضوع اشتغال تقني محض لفهم الطبيعة والسيطرة عليها؛ انتقلنا إلى إمكان نفاذ الأدب إلى عالم المعيش، بجسِّ القلق داخل اللغة والحفاظ على الغامض وإمكانية قول اللانهائي (المطلق) بخلاف العلم اليقيني. لقد تغيرت الجغرافية القديمة للمعارف، وضعت الأدب والفلسفة في فضاء مشترك أو متجاور. منذ فرنسيس بيكون (1561 - 1626) إلى الموسوعيّين أصبح الأدب والإبداع الفني ينتميان إلى ميدان الخيال المنفصل عن العلوم والمنطق، والفيلسوف يشغل مكاناً وسيطاً بينهما، وبقدر ما زادت سيطرة العلم والتقنية مصدراً للتقدّم (progrès) شهدنا تحوّل الأدب والفلسفة إلى ضرورة، وباتا يتعاونان في مقاومة مشتركة للاختلاف والانشقاق.
ألا يحق لنا أن نتساءل بعد هذا مع مارك غيوم: أيهما أسبق الفلسفة أم الأدب؟ سؤال جوابُه جاهزٌ عند أكثر من رأي يقول بأسبقية الأدب، وأن الثانية تحوّل منتوجه إلى مفاهيم (تُمَفهِِمُه) لحدّ أن الروائي ميلان كونديرا (1929 - 1923) اعتبر في كتابه فن الرواية (1986) أنّ "كلّ التيمات الوجودية التي حللها هيدغر [1889 - 1976] في كتابه (الكائن والزمن) [1927] تمّ الكشف عنها وإبانتها [قبله] بأربعة قرون من الرواية الأوروبية". وإذا كان صحيحاً أنّ الأدب يسبق بتقديمه لها أوصافاً عن البشرية وعديدَ طرائق عيشها، يرى غيوم أنّ حكمة الأدب تختلف عن الفلسفة، إذ يفكّر بكيفية مغايرة، بالأحرى يعبر نهجاً خصوصيّاً لا تستطيع هذه أن تقبض عليه دفعة واحدة. إن الأدب يتخطى باللغة، وهذا ما يصنع كيانه، فالرواية وحدها تملك إمكانية الكشف بإضاءة عالم العيش، حتى ليعتبر هرمان بروخ (1886 - 1951) هذا هو عِلّة وجودها وأخلاق الأدب. يعزّز هذا الرأي قول كونديرا: "الرواية التي لا تكشف عن جزء مجهول حتّئذٍ من الوجود لا أخلاقية، إن المعرفة هي الخلق الوحيد للرواية".
هذا لا يكفي مقوِماً حيويّاً ومجدّداً للرواية، تتطلب الذهاب أبعد من التقاط تفاصيل العيش، بأن تطول المخفيَّ واللانهائي، حيث يقبض الأدب على الجوهري، ويكشف عن الملتبس واللايقين في العالم، في منطقة الحقائق النسبية والمتناقضة تحملها كائنات خيالية هي شخصيات الرواية. هنا يؤازر بعض الفلاسفة الأدب، لكن بالتفريق بين التحليل النظري والصياغة المفهومية، وبين التعبير المتفرد والروائي. لنستحضر دائماً أنّ الأدب يفكر بطريقة ملتوية، باصطناعه التخييل في "fiction" فيما يشتغل الفيلسوف بصفة موثّق، بمنهج، وبمفاهيم. لذلك الأدب يتحدى الفيلسوف إذ يدعوه للتخلي عن أمان المناهج والبحث عن أنهج جديدة، ولتحقق الفلسفة الاختراق تحتاج إلى انقلاب جذري ضد ما يسمى الحقيقة، شأن الأدب عند موريس بلانشو (1907 - 2003) هو "بدون حجّة، وليس للاستعمال، ولا الحقيقة تحتويه، هذا وجود لا يعنيه".
في الختام، فإن تساؤل الفلسفة عن الأدب وتفكيره هو موقف بين حقلين، وأفضله، من الذين عملوا في كليهما وممثلين وضع الفيلسوف والكاتب مكرّسين حياتهم للأدب نظير باتاي وبلانشو، وفي الثقافة الغربية أعلام بارزون لهذا النموذج (إيتالو كالفينو، إيتالو سفيفيو، فرناندو بيسووا، ثربانتيس، ويس، بروست). ترى ما هي تصورات هذه القضية في آدابنا ومن يمثلونها؟ نحن الذين نفهم الأدب لغةً ولا نرقى به إلى المعرفة، بما يتطلب مبحثاً جديراً بالتأمل والإنجاز.
نبض