فيلم "جيم 1983": عندما يقرّر طفل ألّا ينتظر وقف إطلاق النار

ثقافة 05-01-2026 | 09:50

فيلم "جيم 1983": عندما يقرّر طفل ألّا ينتظر وقف إطلاق النار

جيم… الطفل الذي أوقف الحرب ساعةً واحدة
فيلم "جيم 1983": عندما يقرّر طفل ألّا ينتظر وقف إطلاق النار
لقطة من فيلم "جيم" 1983" (المكتب الإعلامي)
Smaller Bigger

هناك ذكريات لا يمكن طيّها أو دفنها؛ نحملها منذ الطفولة وتكبر معنا، تثقلنا أحياناً وتشكلنا دائماً. لا تمحوها السنوات، ولا يخفّف حدّتها الزمن، خصوصاً تلك الآتية من الوطن: من الحروب، ومن ذاكرة مشبعة بالخسارات والمعاناة. في لبنان، لا تغيب الحروب عن السيرة اليومية، كأنها قدرٌ متوارث، فيما تبقى ترجمة الألم شخصية، تختلف من فرد إلى آخر بقدر اختلاف طرق النجاة.

من هذا المنطلق، يأتي فيلم "جيم" 1983"، وهو فيلم رسوم متحركة قصير ثنائي الأبعاد، من كتابة وإنتاج جورج مكتبي وإخراج جورج أبو محيا، ليستعيد الحرب الأهلية اللبنانية من منظور طفل في السابعة من عمره. عبر خياله، يفرض الطفل هدنة مؤقتة يهرب خلالها من واقع العنف، ويعيد اكتشاف بيروت بمساعدة بطل خارق من نسج مخيلته. لكن ما إن تنتهي الهدنة، حتى يعود إلى المنزل، حيث يواجه خوفاً من نوع آخر.

الفيلم مستوحى من تجربة شخصية عاشها مكتبي خلال الحرب، ويقوم على لحظتين أساسيتين: انتظار وقف إطلاق النار، بكل ما يحمله من ترقّب وقلق، وخسارة شخص مقرّب تركت أثراً عميقاً في شخصيته. تحويل هذه التجارب إلى مادة سينمائية لم يكن سهلًا، خصوصاً أن المخيّلة كانت، بالنسبة إليه، وسيلة النجاة الوحيدة من واقعٍ عنيف ومأسوي.

 

ملصق فيلم «جيم 1983» (المكتب الإعلامي)
ملصق فيلم «جيم 1983» (المكتب الإعلامي)

 

وجاءت الفكرة الأساسية للفيلم عندما شاهد مكتبي صوراً التقطتها عدسة المصوّر رمزي حيدر. صور درامية يختلط فيها، على نحوٍ غريب ومريب، التراجيدي بالحياتي، وسريالية الحرب بواقعها القاسي. لحظات مأسوية حقيقية طبعت الواقع الذي عاشه اللبنانيون خلال الحرب. في تلك اللحظة، تملّكه هوس تغيير اللحظة نفسها، وتحدّي الحرب والمآسي التي عاشتها الشخصيات في الصور، والقيام بما عجزوا عن فعله تحت فائض القوّة وسطوة الميليشيات. "فرسمت" يقول، "رسمت تخيّلاتي للحياة، أو لشبه الحياة، تفاصيل وقصصاً غابت عن هذه الصور بسبب الحرب". وعندما نجح في قلب لحظة موت حقيقية في صورة فوتوغرافية إلى لحظة حياة خيالية في رسمة، عاد إلى عام 1983؛ إلى اللحظة التي أدرك فيها ما فعلته الحرب به، وبأبناء جيله الذين عاشوها، وبالأجيال التي حاولت أن تعيش ما بعدها.

بطل الفيلم، "جيم"، صبي في الثامنة من عمره، يلجأ إلى خياله ليستعيد حقوقه كطفل: أن يلعب، ويرسم، ويمازح أطفالًا آخرين. يستعيد مكتبي مشهداً محفوراً في ذاكرته، حين كانت والدته تنادي غريندايزر في لحظات الخوف من زخّات الراجمات: "خلّصنا يا غريندايزر". يقول: "كنت أعتبر نفسي غريندايزر. بطلي وبطل أمّي". هكذا يصبح جيم هو غريندايزر، وتغدو بيروت مدينته.

يصل جيم إلى لحظة يملّ فيها الانتظار، فيقرّر ألّا ينتظر وساطة أحد لفرض وقف إطلاق النار. يعلن بنفسه الهدنة يومياً عند الساعة الثالثة بعد الظهر، ويرسل المسلّحين إلى الجحيم، ماضياً لتغيير واقعه وواقع مدينته.

لقطة من فيلم جيم 1983 (المكتب الإعلامي)
لقطة من فيلم جيم 1983 (المكتب الإعلامي)

بالنسبة إلى المخرج جورج أبو محيا، لم يكن التحدّي في إعادة سرد الحرب بحدّ ذاتها، بل في إعادة خلق ما كان يميّز تلك الحقبة بصرياً ووجدانياً. فالعالم تغيّر، والطفولة تغيّرت معه. يشير إلى أن جيل الحرب اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات، ولا سيما جيل X، امتلك إطاراً بصرياً خاصاً تحوّلت رموزه إلى ما يشبه لغة ثانية، وكان التحدّي هو الاقتصاد في الاختيار الغرافيكي من دون فقدان هذه اللغة.

مع تقدّم العمل، لم تعد "جيم 1983" حكاية فردية. فاللقاء الأول بين مكتبي وأبو محيا كشف تشابه التجارب، ما دفعهما إلى توحيد الرؤية وإعادة صياغتها بصريًا لتصبح قابلة للمشاركة مع أي مشاهد، بغضّ النظر عن عمره أو جيله أو جنسيته.

في هذا السياق، يرى أبو محيا أن مخيّلة الطفل ليست مجرّد وسيلة هروب، بل ملجأ وأداة مقاومة. فالرسم وتأليف القصص، اللذان رافقاه منذ الطفولة، تحوّلا إلى لغة ثانية، وإلى ناراتيف بصري عاطفي متماسك لا يمكن قهره. من هنا، لم يكن اختيار الرسوم المتحركة ثنائية الأبعاد تفصيلًا تقنياً، بل خياراً يتيح مخاطبة أجيال مختلفة، ويوفّر حرية بصرية لا تمنحها السينما الكلاسيكية.

لقطة من فيلم جيم 1983 (المكتب الإعلامي)
لقطة من فيلم جيم 1983 (المكتب الإعلامي)

 

وعندما يُسأل مكتبي عمّا كان يتمنى تغييره لو عاد إلى طفولته عام 1983، يأتي الجواب بسيطاً وقاسياً: "أتمنى لو أنني لم أخف من صالون بيتنا".

بعد أكثر من أربعة عقود، يأمل صنّاع الفيلم أن يرى المشاهد اللبناني نفسه في "جيم 1983". "خمسون عاماً مرّت، وأنا جيم"، يقول مكتبي، "وأكثر من 150 ألف جيم، وخلفنا أكثر من 14 مليون لبناني، نرى أن حرب لبنان لم تنتهِ". كأنها تبدأ من جديد كلما بلغ طفل أو طفلة السابعة من العمر، عمر اكتشاف الحقائق، وعمر اكتشاف أن الحرب طبعت إنسانيتنا، وطبعتنا معها.
ويبقى في الذهن، كما يقول، ما طبعته أمّه... "العترة علّي بيروح يا إمي".

 

لقطة من فيلم جيم 1983 (المكتب الإعلامي)
لقطة من فيلم جيم 1983 (المكتب الإعلامي)

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
كتاب النهار 1/6/2026 4:13:00 AM
منذ أكثر من عام تتعرّض دولة الإمارات لحملة إعلامية ممنهجة، بدأت بهمسٍ خافت، ثم تصاعدت تدريجاً عبر منصات متفرقة، قبل أن تصل اليوم إلى مرحلة الصراخ العلني. وهذا ليس مصادفة...
لبنان 1/7/2026 2:04:00 PM
فضل الله: رجي لا يميز بين انتمائه إلى المجلس الحربي، وكونه موظفاً في مجلس الوزراء