جيمس كاميرون يعود إلى تحفته "تيتانيك": هل كان يمكن النجاة من الغرق؟
بعد أكثر من ربع قرن على تحويل مأساة تيتانيك إلى حدثٍ سينمائي عالمي، يعود جيمس كاميرون مرةً أخرى إلى ليلة 15 نيسان/أبريل 1912 الباردة. هذه المرة من خلال قراءة تاريخية بأثر رجعي، لا عبر الاستعراض البصري، ومن خلال سؤالٍ واحد مُلحّ: هل كان من الممكن فعلاً النجاة من الغرق تلك الليلة؟
في مقابلة حديثة مع "هوليوود ريبورتر"، قدّم كاميرون - وهو مؤرشف مهووس بالكارثة وليس فقط أشهر من جسّدها سينمائياً - إجابة تنزع عنها الرومانسية وتستبدلها بالاستراتيجية. مقاربته تستند إلى ما كشفته عقود من شهادات الناجين، ومخططات السفينة، وإعادة البناء الجنائي: النجاة على متن تيتانيك لم تكن مسألة بطولة بقدر ما كانت مسألة توقيت، وموقع، وقرار.

يبدأ كاميرون بتضييق السيناريو. تخيّل أنك تسافر وحدك، لا زوجة، لا أطفال، ولا تردّد أخلاقي قد يبطئك. وتخيّل أيضاً أنك راكب من الدرجة الثانية، أي أنّك لست مميّزاً بما يكفي للوصول السلس إلى سطح القوارب، وفي الوقت نفسه كنت محاصراً في الأعماق كما كانت حال كثيرين من ركاب الدرجة الثالثة، الذين كتبت مصيرهم الممرات المتشعّبة والبوابات وتأخّر المعلومات. تاريخياً، كانت الطبقة عاملاً حاسماً: ركاب الدرجة الأولى امتلكوا القوارب والسلطة، وركاب الدرجة الثالثة واجهوا المعوقات، أما الدرجة الثانية فكانت عالقة بين الاثنتين.
لم تغرق تيتانيك بشكلٍ درامي في بدايتها. بدت السفينة متماسكة، قائمة بعناد. كثير من الركاب لم يستطيعوا ببساطة تقبّل أن سفينة سُوّقت بصفتها "غير قابلة للغرق" كانت تنهار تحت أقدامهم. يقول كاميرون: "معظم الناس لم تكن لديهم الشجاعة للقفز إلى الماء"، إذ بدت الفكرة غير عقلانية إلى أن فات الأوان.

نصيحته، المناقِضة للحدس، قاسية وبسيطة: اقفز مبكراً. بينما كانت قوارب النجاة تُنزَل نصف فارغة وجزئياً بسبب التفسير الصارم لقاعدة "النساء والأطفال أولاً" من الضابط الثاني تشارلز لايتولر، انفتح هامش ضيّق. قِف عند السور، انتظر إنزال قارب، وفي اللحظة التي يلامس فيها الماء، اقفز بعده واسبح المسافة القصيرة. كان شمال الأطلسي تلك الليلة عند نحو درجتين مئويتين تحت الصفر: برودة قاتلة، لكنها ليست فورية، وانخفاض حرارة الجسم يحتاج دقائق، لا ثواني.
يشير كاميرون إلى أنّ الضغط الاجتماعي كان سيُكمل المهمة. ومع وجود مئات يراقبون من على الأسوار العليا، لم يكن أي ضابط ليجبر رجلاً على العودة إلى الماء بعد وصوله إلى القارب. يقول كاميرون ببرود: "هل سيتركونك تغرق وتيتانيك لا تزال هناك والجميع يشاهدون؟ لا". في هذه القراءة، تصبح النجاة مقامرة محسوبة على إنسانية البشر.

والمفارقة، بطبيعة الحال، أن فيلم كاميرون نفسه يعلّم غريزة معاكسة. في فيلمه الشهير "تيتانيك" (1997)، يبقى البطل جاك داوسون على متن السفينة لأطول وقت ممكن، مراهناً على الارتجال لا على البروتوكول. ضمن منطق الحكاية، يبدو ذلك معقولاً: جاك لا يعرف أنّ سفن الإنقاذ على بُعد ساعات، ولا يعرف مدى قسوة برودة الماء. الجمهور كان قد بات يعرف الحكاية وقت عرض الفيلم، وهذا التوتر تحديداً هو ما يُبقي العمل حيّاً في الذاكرة الثقافية.
عودته إلى تيتانيك اليوم أقلّ حنيناً وأكثر مواجهةً مع الحساب، وإجابته ليست مطمئنة ولا بطولية. إنها براغماتية، خالية من العاطفة، ومتجذّرة في رياضيات الكارثة القاسية. والدرس، كما يوحي، لا يتعلّق بالأبواب أو بقوارب النجاة، إنّما بالإيمان: الذين نجوا كانوا في الغالب أولئك الذين قبلوا الواقع قبل أن يصبح إنكاره مستحيلاً.

الأمر هنا أكثر من مجرّد صانع أفلام يعود إلى تحفته، يظل كاميرون - كما كان دائماً في علاقته بتيتانيك - رجلاً يجادل التاريخ، ويرفض أن يتركه يستقر بهدوء في القاع المظلم للبحر.
جمع عام 1997 في فيلمه بين دقّة تاريخية بالغة في إعادة بناء الحدث، وقصة حب حميمة، ما أتاح لجمهور واسع أن يعيش المأساة عاطفياً بعدما ظلت طويلاً حبيسة الأرشيف والكتب المدرسية. وقد انعكس تأثيره في نجاح غير مسبوق في شباك التذاكر، إذ تجاوزت إيراداته 2.2 مليار دولار عالمياً بعد إعادة عرضه، ليصبح لسنواتٍ الفيلم الأعلى إيراداً في تاريخ السينما.
أعاد كاميرون إحياء الرومانسية الملحمية كصيغة جماهيرية قابلة للنجاح، ووضع معايير تقنية جديدة في المؤثرات البصرية وتصميم الإنتاج، ورسّخ مكانته كذاكرة ثقافية مشتركة.
نبض