علي الأصغري يروي لـ"النهار" معاركه مع الرقابة الإيرانية: بعد انتفاضة 2022 قررنا أن نكون أحراراً

ثقافة 17-12-2025 | 07:52
علي الأصغري يروي لـ"النهار" معاركه مع الرقابة الإيرانية: بعد انتفاضة 2022 قررنا أن نكون أحراراً
"لا أضع الرقابة في ذهني منذ البداية. أصنع الفيلم أولاً، وأثق بأنه سيجد طريقه إلى الجمهور، بطريقة أو بأخرى"
علي الأصغري يروي لـ"النهار" معاركه مع الرقابة الإيرانية: بعد انتفاضة 2022 قررنا أن نكون أحراراً
علي الأصغري أثناء المقابلة مع ”النهار“.
Smaller Bigger

يمر بهرام بمعاناة لا تُحتمَل لعرض أفلامه داخل إيران. الأسباب رقابية. غير أنه يرفض الاستسلام، ويصرّ على ابتكار سُبل بديلة للوصول إلى جمهوره. في فيلمه الجديد، يؤاخذه موظّف في وزارة الثقافة على استخدامه اللغة التركية، وعلى ظهور كلب في أحد المشاهد. هذا يشكّل مدخلاً إلى تجربة شخصية يرويها علي أصغري (43 عاماً) في أحدث أعماله، "كوميديا إلهية".

من هذه النقطة يبدأ السرد، لكنه لا يلبث أن يتشعّب، دافعاً الشخصيات إلى سلسلة من المفارقات العبثية المستمدّة من الواقع الإيراني المعيش، في محاولة لوضع المُشاهد في صلب معاناة المخرج الإيراني، سواء أراد أن يصوّر أو يعرض. لقطة بعد أخرى، يكتسب الفيلم ملامح وثيقة بصرية ترصد أحوال الفنّ السابع في إيران، ولا سيما في مرحلة ما بعد الهبّة الشعبية التي شهدها عام 2022. من موقعه كسينمائي اختبر تضييق السلطات الإيرانية، وصولاً إلى مصادرة جواز سفره عقب فيلمه "الآيات الأرضية" ومنعه عن العمل، فتح أصغري قلبه لـ"النهار"،  في المقابلة الآتية التي أجريناها معه في مهرجان الدوحة الأخير، مقدّماً جردة حساب شاملة عن واقع السينما في واحد من أكثر بلدان العالم ابداعاً وقمعاً في آن واحد. 

* عندما نشاهد "كوميديا آلهية"، نشعر كم هو شخصيٌّ، حتى أن اسمك يُذكَر فيه. وهنا يُطرَح السؤال: أين تبدأ الحقيقة وأين ينتهي الخيال في هذا الفيلم؟
- كمخرجين، نحن محاطون بالسينما، هي مساحتنا الطبيعية، عالمنا الذي نعيش فيه يومياً. العديد من أفلامي السابقة كانت تحمل لمسة شخصية بطريقتها الخاصة، لكن هذه المرة أردتُ أن أنجز فيلماً يتحدّث بشكل مباشر عن ظروف صانع الأفلام، عن التحدّيات التي يواجهها، لا سيما عندما يتعلّق الأمر بعرض أعماله أمام الجمهور. بدأت الفكرة ببساطة شديدة. كنت أحاول عرض فيلمي السابق في إيران، لكن لم يُسمَح لي بذلك. وفي الوقت نفسه، كنت أتعرض باستمرار لاتهامات من السلطات بأنني أنجز أفلاماً لـ"الأجانب". تساءلتُ: أين يمكنني عرض أفلامي؟ حلمي أن يشاهدها أبناء بلدي. لكن لم أُمنَح تلك الفرصة، فمعظم دور السينما في إيران مملوكة للحكومة، وبالتالي لا مكان لشخص مثلي. ومن هنا قررتُ أنني سأعرضها حيثما استطعتُ. تمنيتُ مشاهدة الفيلم وسط جمهور إيراني، ولو اقتضى الأمر عرضه في فضاءات غير مألوفة: منزل صديق، مقهى صغير، أو مكتبة هادئة. أحياناً باستخدام جهاز عرض متواضع في غرفة بعشرين أو ثلاثين شخصاً لا أكثر. من هذه الرغبة تحديداً وُلدت فكرة الفيلم. في البداية، لم يخطر في بالي تحويل هذه التجربة إلى عمل سينمائي. كلّ ما أردته هو مراقبة ردود فعل الناس، الإصغاء إلى صمتهم وضحكاتهم وتعليقاتهم. غير أن كلّ عرض من تلك العروض التي جرت في عالم طهران السفلي، كان يرافقه حدث غريب أو طريف، كأن الواقع نفسه يصرّ على التسلل إلى المشهد.
أذكر، على سبيل المثل، أنني عرضتُ فيلماً في منزل أحد الأصدقاء. ما إن دخلتُ حتى استقبلني كلبان ضخمان بنباح متواصل. طلبتُ إلى صديقي، مازحاً ومذعوراً، أن ينقلهما إلى غرفة أخرى قبل أن يفتكا بي. فعل ذلك، لكن النباح لم يتوقّف طوال مدة العرض، ليتحوّل، من حيث لا ندري، إلى جزء من تصميم الصوت! تجارب من هذا النوع دفعتني إلى تدوين كلّ شيء. وحين اتخذتُ قرار إنجاز الفيلم، كان بهمان أرك أول اسم خطر في بالي لتجسيد الدور الرئيسي. فهو مخرج أيضاً، ويواجه إشكالات مشابهة لما أعيشه، ممّا جعله خياراً طبيعياً ومنسجماً مع روح العمل. رغبتُ في أن يحمل الفيلم طابعاً كوميدياً، مع لمسات تستحضر أعمال وودي ألن أو ناني موريتي الذي ساهم اختياره في ترسيخ نغمة الفيلم منذ البداية. وكان ناني موريتي على وجه الخصوص مصدر إلهام كبيرا: خفّة أعماله، حضوره الآسر، وروحه الفكاهية الذكية. ولهذا السبب تحديداً، تظهر دراجة "الفيِسبا" في الفيلم، كمودّة سينمائية لمخرج ألهمني كثيراً.

* مخرج آخر هو علي رضا خاتمي كتب السيناريو معك…
- نعم. في الواقع، كتب السيناريو أربعة أشخاص: علي رضا، بهمان الذي يؤدّي الدور الرئيسي، بهرام الذي يجسّد دور الأخ، إضافة إليّ. كنّا أربعة كتّاب نتقاسم هذه المغامرة منذ بدايتها.

* لماذا شعرتَ بالحاجة إلى الكتابة مع آخرين؟
- أؤمن بأن كتابة السيناريو، وصناعة الأفلام عموماً، فعل جماعي. غالباً ما يكون لدى الكاتب أو المخرج منظور واحد فقط تجاه عمله، وقد نكون متعجرفين بعض الشيء. تكتب مشهداً، ثم يخيل إليك فوراً أنه أعظم ما كُتب في تاريخ السينما! وهنا تكمن قيمة العمل مع الآخرين. عندما تكتب ضمن فريق، يتحوّل الأمر إلى حوار حقيقي. تتعدّد زوايا النظر إلى الفيلم، ويغدو شركاؤك بمثابة الجمهور الأول له. كثيراً ما كنتُ أطرح فكرة على علي رضا، فيقاطعني مباشرةً قائلاً: "لا، لا، فكرة غير موفّقة". في البداية أستغرب، لكنه يشرح لي وجهة نظره، فأدرك أنه محقّ. وأحياناً يحدث العكس: أتمسّك أنا بفكرة ما، وبعد نقاش طويل يغيّر هو رأيه فيها. هذان الأخذ والرد ضروريان. وإذا عدنا إلى تاريخ السينما، سنجد أن هذا النهج ليس استثناءً. الواقعية الإيطالية الجديدة، وأفلام فيديريكّو فيلليني، غالباً ما كُتبت على أيدي ثلاثة أو أربعة كتّاب. أنتونيوني كذلك، والعديد من مخرجي الموجة الفرنسية الجديدة اشتغلوا بروح جماعية. هذا لا يعني أنهم كانوا عاجزين عن الكتابة بمفردهم، بل على العكس: أدركوا أن الفيلم يحتاج إلى تعدّد في وجهات النظر. لهذا السبب أستمتع حقّاً بالعمل مع الآخرين. هذا يثري الفيلم، ويمنحه عُمقاً أكبر، ويحرره من أسر الصوت الواحد.