غلاف كتاب "سمعان القيرواني".
الإفساح في المجال لمجهول من بني البشر، كي ينعم بدَوره، بما له من مُتعٍ وصِفات تضحية ومحبّة تُذهل الروح والمشاعر، خارج إطار حرّيّة الخيار، هو قلادة مزايا الألوهة. وها أنّ ملحم الرياشي قد طرد الشّك بهذه الأعجوبة الإلهيّة، وأحال الإيمان بها يقيناً، عندما أضاء على سيرة "سمعان القيرواني" في كُتيّب تضمّن تناغم فكرِ مع دعوة، وصمتاً مع اطمئنان روحٍ وشقاء جسد.
أبلغ الكلام، وأوضحه، وأصدقه، وأدقّه... وصفُ الكاتب لما جاد به صمت القيرواني، فكيف جعل الرياشي الصمت لغة سرمديّة في معابد الألوهة، وكشف قسمات ما كُوِّن من وجوه تمرُّ بمرايا الحواس، وتتراءى في القلوب المضحّية؟
تُرى من يفقه معنى ثرثرة الجفون، عندما تملأ فراغ الصمت المرادف لاتّساع الوعد ببهجة الحياة؟
وضعنا الرياشي في وضع الإصغاء إلى صمت القيرواني، وإلى ما ساءلته ثواني وجوده في ذلك المكان، خلافاً لمصائر البشر التي هي وقفٌ على كلمة "نعم" أو "لا" عند الإصغاء لنداء الخلاص. فالقيرواني لم يكن مسيّراً ولا مخيّراً في تلك اللحظات، لأنّه ركن من أركان الحدث، وأصبح مدموج الروح في الفعل، وانطلق إلى أبدٍ طليقٍ. ولم يغرب عن باله أنّه إلى انعتاق أرحب يحلّق إلى سماوات بمشاهدته سيل دماء الفادي، كشلّال انفلت من علوٍ، وباح زبده بأسرار لضفاف بركة استوعبت هديره: "حاول أن ينظر في وجه الرجل الذي سبقه في الطريق، ذاك الذي ينزف صامتا. التقت نظراتهما لوهلة. كانت عينا يسوع تقولان له شيئاً. لا بل كل ّشيء." (صفحة 18)
هل قال لنا الرياشي أنّ قيمتنا كقيمة الشمس، فإن لم تفِد الأرض وساكنيها من نورها ودفئها، تكون حال البشريّة كحال حصًى تقبع في مجرى نهرٍ عذب المياه، وتبقى أبديّة العطش؟ وهل هذه هي حالة الابتعاد عن الاندماج بآلام البشريّة!؟: "-أنظر... لم يعد فقط حاملاً للصليب؛ صار شريكاً في النزف." (صفحة 21)
الملاكان الناظران إلى الفداء، يرويان للأرواح في تفتّحها، أزليَّ ملامح النور، وفي إطباقهما، أبديّ ملاحم الظلمة: "-الناس يخافون من الموت، لكنّهم لا يدركون انّ ما يخيفهم حقًاً هو الحياة، التي قد تلي الموت... أن يستفيقوا في القبر، أن يتنفّسوا في ضيق الحفرة." (صفحة 8)
شاركنا الرياشي المشهد مع القيرواني، وزرع الزهور على الطريق بين العقل والقلب بعد أن داس شوكه، عندما رأيا الخلاص انبعاثاً جديداً من رُقادٍ. وتيقنا أنّ الموت فعل محبّة، يتيح لمن لا يزال في خاطر الشكّ أن يؤُم القيامة طريقاً إلى الإيمان، وعلى من وُهب نعمة البشارة، أن يختار لحداً أو معبراً إلى مقرّ من المقرّين: "كان يعرف أنّ الموت لا يردّ ما أخذه، لكنّ ما يراه أمامه كان يقول العكس. كان القبر الفارغ يهمس له: (الحياة أقوى.) لم يكن يعرف كيف أو لماذا،لكنّ قلبه صدّق قبل عقله." (صفحة 50)
أيّها الرياشي، من صدق وروحانيّة بوحك، ننتظر منك سرد الحوار الذي جرى بين شجرتين، قُطع من الأولى عارضة عاموديّة، ومن الثانية عارضة أفقيّة، صُنع منهما صليب الفداء، ووصفك لشغفهما بلقاء كتف القيرواني، والمسامير التي ثبّتت الخلاص.
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
11/27/2025 1:37:00 PM
بعد عامٍ على الهزيمة، تسلّط رؤية نابليون الضوء على أسباب خسارة الحزب.
الولايات المتحدة
11/27/2025 10:27:00 PM
في لحظة اكتشاف هوية المشتبه به في إطلاق النار على جنديين في الحرس الوطني وإصابتهما بجر,ح خطرة، وحد اليمينيون، صناع رأي وجماهير لا فرق، خطابهم: إنه الإرهاب الإسلامي.
لبنان
11/26/2025 5:22:00 AM
كل ما يجب معرفته عن زيارة الحبر الأعظم الأحد
لبنان
11/26/2025 5:55:00 PM
تمّ تعديل التعاميم بحيث تمّ السماح للموسسات الفردية والجمعيات المرخصة من المراجع المختصة (خيرية أو دينية) الإفادة من التعميمين.
نبض