بانوراما للخراب العربي في مهرجان الدوحة: ذاكرة صودِرت ومدينة دُمِّرت وحياة اختُطِفت

ثقافة 27-11-2025 | 11:53
بانوراما للخراب العربي في مهرجان الدوحة: ذاكرة صودِرت ومدينة دُمِّرت وحياة اختُطِفت
ما يجمع هنا هو الإيمان بأن البوح قادر على حفظ ما تبقّى من الحقيقة في وجه العنف.
بانوراما للخراب العربي في مهرجان الدوحة: ذاكرة صودِرت ومدينة دُمِّرت وحياة اختُطِفت
“بابا والقذافي“ لجيهان الكيخيا.
Smaller Bigger

أفلام عديدة في مهرجان الدوحة السينمائي (20 – 28 تشرين الثاني/أكتوبر) تسائل الخراب الذي حلّ بالبقعة التي تُدعى "العالم العربي" في العقود الماضية. أعمال تنطلق من جرح شخصي أو جمعي، لتعيد بناء ذاكرة صودِرت أو مدينة دُمِّرت أو حياة اختُطِفت. هذا ما لمسناه بوضوح في ثلاثة أفلام وثائقية عربية تتقاطع فيها السيرة الذاتية مع التاريخ، ويغدو استرجاع الماضي فعلاً لمداواة الحاضر. من غزة المثقلة بخسارة أبنائها، إلى ليبيا التي لا تزال تبحث عن عدالة مفقودة، وصولاً إلى الموصل التي تنهض من بين الركام، ترسم هذه الأفلام بانوراما قاسية لمواضع أنهكها التفكّك المادي والنفسي. وما يجمع بينها هو الإيمان بأن البوح قادر على حفظ ما تبقّى من الحقيقة في وجه العنف.

ينطلق "مع حسن في غزة" للفلسطيني كمال الجعفري من تجربة شخصية. من شرائط "ميني دي في" كانت قد جمعت صوراً له منذ بدايات القرن الحالي، يستمد المخرج فيلماً يتردد صداه في الحاضر. كانت الخطة الأولية فيلماً عن رفيق التقاه الجعفري في السجن، لكن المشروع أخذ منحى مختلفاً حين اقتاده القدر إلى شاب غزاوي يُدعى حسن، أصبح دليله في رحلته عبر شمال غزة وجنوبها، قبل ان يختفي تماماً وذلك بعد العدوان الإسرائيلي، لتصبح هذه الرحلة، بكلّ ما حملته من لحظات عفوية، انعكاساً لما يحدث في غزة اليوم. يعود الجعفري إلى لقطات صوّرها عام 2001، خلال الانتفاضة الثانية. نراه يتجوّل حاملاً كاميراه من دون خطّة مسبقة، موثّقاً اللحظات العابرة، وهو لا يدرك أنها ستصبح في ما بعد مادة لحظة فاصلة. اللقطات التي أفلتت من قبضة النسيان تحمل بُعداً عاطفياً، تؤكّد أن المواد المصوّرة لا تفقد قيمتها مع الزمن. بعيداً من أي شكل تقليدي اعتدناه في السينما الوثائقية، يأتي الفيلم بصيغة شاعرية، حيث تتداخل لقطات بسيطة التُقِطت بعدسة هاوية مع مَشاهد تمتلك عُمقاً يعكس مأساة يومية مستمرة إلى درجة أن بعض تفاصيلها أصبحت غير مرئية إلا لمَن يلتقطها بين ابتسامة أو حركة غير مقصودة. في هذه الرحلة السينمائية، لا بد أن يتضح للمُشاهد مدى تماهي الكاميرا مع مَن يحملها. فكلّ حركة بانورامية تمنحه شعوراً بالوجود الكامل داخل المكان والزمان. يصف الجعفري فيلمه بأنه عن "حيوات قد تكون ضاعت إلى الأبد". الإحساس باللحظات التي تتراكم فيها الفجيعة، يتجلّى بوضوح في كلّ لقطة. هذا النهج، الذي يحدث قطيعة مع الشعارات والتدليس، يصنع فيلماً مغايراً في المشهد السينمائي الفلسطيني الذي يغلب عليه الانفعال.