.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يعود المخرج المصري طارق صالح بـ"نسور الجمهورية"، بعدما أثار عداء النظام المصري من خلال فيلمين اشكاليين. كان من المفترض أن يشكّل هذا العمل قنبلة سياسية تُختتم بها "ثلاثية القاهرة"، التي بدأها بنقد المؤسسة الأمنية في "حادثة النيل هيلتون"، وتابعها بمساءلة المرجعيات الدينية في "ولد من الجنة".
لكن محاولته مواجهة المرجعية السياسية الأرفع في مصر، رئاسة الجمهورية، أعادته إلى الأخطاء نفسها: بنية سردية مفكّكة، سيناريو ساذج، شخصيات بلا عمق، أداء تمثيلي أرعن. وكأن صالح أراد أن يثبت أن قدرته على "الوصول" تعفيه من مراجعة نقدية. ومع ذلك، حظي الفيلم بترحيب ملحوظ من الصحافة الفرنسية، التي أبدت حماستها له، حتى أن "لو فيغارو" ذهبت إلى تشبيه صالح بالمخرجة الأميركية كاثرين بيغلو، في إشارة إلى طموحه وجرأته الإخراجية.
بدأ عرض الفيلم هذا الأسبوع على نطاق واسع في صالات فرنسا، البلد الذي منح صالح منصّة دولية بعد مشاركتين له في كانّ. في منتصف الشهر الماضي، دُعي إلى مهرجان لوميير (ليون) لتقديم ماستركلاس، رغم أن رصيده السينمائي يقتصر على ثلاثة أفلام لا غير، وقد أطلق عليه المهرجان "المخرج الملتزم". شكّل لقاؤه مع الجمهور مناسبة ليكشف، بطول وعرض، عن متاعبه مع النظام المصري، الذي صار يشكّل لا فقط الشغل الشاغل لأفلامه، إنما ذريعة وجوده الفنّي.
هكذا يعرّف صالح علاقته بالسينما: ”عشتُ طفولة قاسية جداً، لكن السينما أنقذتني. أقول دائماً إن السينما تذكرة سفر الفقير. يشتري تذكرة، وفجأةً يجد نفسه على متن سفينة قراصنة، أو فوق جزيرة، أو في بلد لم يزره قط. المذهل أنه طوال ساعتين يصبح شخصاً آخر. هذا منحني الأمل والأحلام. لذلك، عندما بدأتُ في الإخراج، وددتُ اعطاء الناس الفرصة نفسها: الذهاب إلى مكان آخر وعيش حياة أخرى“.
عن بداياته، روى في ليون: "فيلمي الأول قادني إلى الثاني والثاني قادني إلى الثالث. "حادثة النيل هيلتون" انطلق من قصّة حقيقية. استلهمته من قضية "دونالد ترامب مصر"، هشام طلعت مصطفى. رجل عقارات بنى مدينة في القاهرة تُسمَّى "مدينتي". هو نرجسي مثل ترامب. كان لهذا الرجل عشيقة، مطربة لبنانية تُدعى سوزان تميم. تخلّت عنه من أجل رجل أصغر سناً، فلم يستطع تحمّل ذلك. قرر أن يستأجر ضابط مباحث مصرياً لقتلها. بين عامي 2008 و2009، جرت محاكمته، وهذا أمر لا يُصدَّق في بلد مثل مصر، ذلك انه كان صديقاً مقرباً من حسني مبارك. لقد نزعوا عنه الحصانة البرلمانية وأصدروا في حقّه الحكم بالإعدام. شرعتُ في كتابة السيناريو لأن الفكرة الآتية أغرتني: ماذا لو كنتُ أنا المحقّق الذي يُكلَّف هذه القضية؟ يا له من كابوس! صديق الرئيس قتل عشيقته، وأنا الذي يجب أن يحقّق في الجريمة!! فكّرتُ أن السؤال الدرامي المثير ليس "مَن فعلها؟" بل "هل ستُحقّق فيها أصلاً؟“. لكن لم يكن لدي خاتمة للسيناريو. لذلك كتبتُ في عام 2010 نهاية سيئة جداً: اندلاع ثورة. يومها، كانت فكرة غير معقولة تماماً. ففي مصر كان لدينا هذه العبارة "تمام، نتقابل هناك، إلا إذا حصلت ثورة هاهاها" التي نردّدها على سبيل المزاح. لم يكن هناك امكان أي ثورة. كان النحو الذي تخيلتُ فيه الثورة مثيراً للشفقة. لذلك وضعتُ السيناريو جانباً لفترة. في أي حال، كيف كان من الممكن أن أنجز فيلماً كهذا؟ حسني مبارك كان في السلطة منذ 30 عاماً، ولم يكن هناك أي إمكان لفيلم كهذا في مصر. مستحيل! ثم، في يوم عيد ميلادي، وكنت في السويد، اتّصل بي والدي وأخبرني: "يا إلهي، إنها ثورة. الشباب يصنعون ثورة“. فتذكّرتُ السيناريو وأدركتُ أنني كنت قد ختمته بثورة. أعدتُ كتابته، وكانت الثورة الحقيقية أفضل بكثير ممّا تخيلته. فنحن طوال تاريخ مصر الممتد 6000 عام، كان لدينا عامان من الحرية فقط لا غير".