"عوالم صغيرة" في "غاليري جانين ربيز" جسور للجمالية بين المتعة والمعرفة
منصور الهبر
في هذا المعرض المشترك، "عوالم صغيرة"، الممتد حتى 22 تشرين الثاني، يتحوّل العمل الفني إلى تجربة متكاملة من المتعة والمعرفة، حيث يصبح عمل كل فنانٍ حقلاً معرفيًا وجسراً للجمالية. هنا، لا تنفصل الحرفة عن الإبداع، ولا ينفصل التخيل عن التصميم والتنفيذ. كل فنان يتبنّى وجهة خاصة، كموقف وأسلوب حياة، مما يُمَتّن العلاقة بين الفنان وعمله.
الإدراك الفني في هذا السياق يصبح علائقيًا؛ فالأعمال لا تُقرأ كقطع منفردة، بل كشبكة من العلاقات: نسب، تشابه، تنافر، وتوافق. الجمالية تتجلّى هنا في تراكيب متعددة، وفي اللقاء بين الحساسية الفنية والعامل التقني والثقافي لكل فنان. هذا المزيج هو ما يجعل الأعمال ترتقي لتصبح جزءًا من "جمالية مكثفة".
الأحجام الصغيرة تفصح ان الهم الأساس لدى الفنانين ليس الظهور بقدر اختبار الأمكانات والتحديات في عوالمهم، هذه الصغيرة. وكما قال ماتيس "يمكن العمل الفني ان يكون عظيماً رغم صغر حجمه". الأعمال المنجزة "في الخفاء" نرى اتساعها الكوني من خلال تعبير مركّز، مضبوط الى اقصى حد مما يعزز من قوة الأعمال.
زينة أبي راشد تفتتح المعرض بستة رسوم بالأبيض والأسود، مستلهمة من صفحات "النبي" لجبران خليل جبران. الرسوم صامتة ومنفصلة عن النص، كعوالم صغيرة تنتظر أن تُفتَح بخيال المشاهد، لتروي قصصها الخاصة دون الكلمات.

كارول بوربان تقدم "نزهة الحجارة"، حيث تتحول كل منحوتة إلى تمثيل لحيوانات خيالية أو آثار متحجرة للحياة. جمع الحجارة من مواقع محددة يمنح كل قطعة هويتها، لتتجلّى في مجموعة من الحيوانات الأسطورية وآلهة الطبيعة، تماثيل صغيرة تسحر بجمالها الخام والبسيط.

فرنسوا سارغولوغو يغمرنا في عالم شاعري، حيث "تُبحر ذرات متوهّجة كالسفن العملاقة المعلقة في السماء، على حافة الزمن؛ لن يبقى سوى شظايا من تاريخنا. أتقدّم بثبات عبر ضباب الذكريات، حيث تحمل كل موجة أثر جرح من الماضي وتعيد كتابة حكاياتنا، والسماء بين نور وظلمة، أحمل الحقيقة الهزيلة، ويعتري قلبي التعثر"...

هانيبال سروجـي يحرق على القماش خامات من الهدوء والاضطراب في آنٍ واحد. أعماله تتأرجح بين الطمأنينة والبهاء، خطوطه وخربشاته ليست سوى وسيلة للاستكشاف البصري والعاطفي والذهني، لتصبح أعماله مزيجًا جريئًا بين التعبير السريع والشعرية.

سوين تسانغ تقدم سلسلة زهور؛ لوحات مائية صغيرة تهمس بحوار خافت بين النباتات، كل لوحة تكشف عن لحظة عابرة، عن عزلة ومشاعر عفوية، قريبة من الضوء، رغم العتمة.

ألان فاسويان يعكس عبر منحوتاته نمو الأشكال، فتكبر بالسنتيمترات حتى يلتقي الكبير بالصغير، مثل دورة الحياة المستمرة. وكما يقول هيراقليطس: "لا يمكن الإنسان أن يستحم في النهر نفسه مرتين، فهو ليس النهر نفسه، ولا هو الشخص نفسه".


نبض